البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٢ - قصة أيوب (عليه السلام)
المال و الولد و ما يختص بها من المصيبة بالزوج و ضيق ذات اليد و خدمة الناس بعد السعادة و النعمة و الخدمة و الحرمة فانا للَّه و إنا اليه راجعون. و قد ثبت
في الصحيح أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (أشد الناس بلاء الأنبياء. ثم الصالحون. ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة زيد في بلائه).
و لم يزد هذا كله أيوب (عليه السلام) الا صبرا و احتسابا و حمدا و شكرا حتى أن المثل ليضرب بصبره (عليه السلام) و يضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا* و قد روى عن وهب ابن منبه و غيره من علماء بنى إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل في كيفية ذهاب ماله و ولده و بلائه في جسده و اللَّه أعلم بصحته* و عن مجاهد أنه قال كان أيوب (عليه السلام) أول من أصابه الجدري و قد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد و لا تنقص. و قال أنس ابتلى سبع سنين و أشهرا و ألقى على مزبلة لبني إسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج اللَّه عنه و عظم له الأجر و أحسن الثناء عليه.
و قال حميد مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة. و قال السدي تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم و العصب فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته فلما طال عليها قالت (يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك فقال قد عشت سبعين سنة صحيحا فهو قليل للَّه أن أصبر له سبعين سنة) فجزعت من هذا الكلام و كانت تخدم الناس بالأجر و تطعم أيوب (عليه السلام) ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها لعلمهم أنها امرأة أيوب خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته فلما لم تجد أحدا يستخدمها عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف احدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير فأتت به أيوب فقال من أين لك هذا و أنكره فقالت خدمت به أناسا فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضا و حلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام فكشفت عن رأسها خمارها فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) و قال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا أبو سلمة حدثنا جرير بن حازم عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير قال كان لأيوب اخوان فجاءا يوما فلم يستطيعا ان يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد فقال أحدهما لصاحبه لو كان اللَّه علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شيء قط قال (اللَّهمّ ان كنت تعلم أنى لم أبت ليلة قط شبعانا و أنا أعلم مكان جائع فصدقني فصدق من السماء و هما يسمعان ثم قال (اللَّهمّ ان كنت تعلم أنى لم يكن لي قميصان قط و أنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء و هما يسمعان) ثم قال اللَّهمّ بعزتك و خر ساجدا فقال اللَّهمّ بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عنى فما رفع رأسه حتى كشف عنه.
و قال ابن أبى حاتم و ابن جرير جميعا حدثنا يونس بن عبد الأعلى انبئنا ابن وهب أخبرنى