البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٩ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
و عند أهل الكتاب ان يوسف باع أهل مصر و غيرهم من الطعام الّذي كان تحت يده- بأموالهم كلها من الذهب و الفضة و العقار و الأثاث و ما يملكونه كله حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء* ثم أطلق لهم أرضهم و أعتق رقابهم على أن يعملوا و يكون خمس ما يشتغلون من زرعهم و ثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده.
و حكى الثعلبي أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان و أنه انما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار قال فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك* قلت و كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه لا يشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجدب و أتى الخصب.
قال الشافعيّ قال رجل من الأعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة (لقد انجلت عنك و إنك لابن حرة). ثم لما رأى يوسف (عليه السلام) نعمته قد تمت و شمله قد اجتمع عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار و أن كل شيء فيها و من عليها فان. و ما بعد التمام الا النقصان فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله و اعترف له بعظيم إحسانه و فضله. و سأل منه و هو خير المسئولين أن يتوفاه أي حين يتوفاه على الإسلام.
و أن يلحقه بعباده الصالحين. و هكذا كما يقال في الدعاء (اللَّهمّ أحينا مسلمين و توفنا مسلمين) أي حين تتوفانا و يحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره (عليه السلام) كما
سأل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عند احتضاره أن يرفع روحه الى الملأ الأعلى و الرفقاء الصالحين من النبيين و المرسلين كما قال (اللَّهمّ في الرفيق الأعلى ثلاثا ثم قضى)
و يحتمل أن يوسف (عليه السلام) سأل الوفاة على الإسلام منجزا في صحة بدنه و سلامته و أن ذلك كان سائغا في ملتهم و شرعتهم كما روى عن ابن عباس أنه قال ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف. فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت الا عند الفتن كما في حديث معاذ في الدعاء الّذي رواه أحمد (و إذا أردت بقوم فتنه فتوفنا إليك غير مفتونين) و في الحديث الآخر (ابن آدم الموت خير لك من الفتنة) و قالت مريم (عليها السلام) (يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) و تمنى الموت على بن أبى طالب لما تفاقمت الأمور و عظمت الفتن و اشتد القتال و كثر القيل و القال و تمنى ذلك البخاري أبو عبد اللَّه صاحب الصحيح لما اشتد عليه الحال و لقي من مخالفيه الأهوال.
فأما في حال الرفاهيّة فقد
روى البخاري و مسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد و إما مسيئا فلعله يستعتب و لكن ليقل اللَّهمّ أحيني ما كانت الحياة خيرا لي و توفني إذا كانت الوفاة خيرا لي)
و المراد بالضر هاهنا ما يخص العبد في بدنه من مرض و نحوه لا في دينه* و الظاهر أن نبي اللَّه يوسف (عليه السلام) سأل ذلك إما عند احتضاره أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك.