البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٧ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
تَعْلَمُونَ) أي أعلم أن اللَّه سيجمع شملي بيوسف و ستقر عيني به و سيرينى فيه و منه ما يسرني فعند ذلك (قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ). طلبوا منه أن يستغفر لهم اللَّه عز و جل عما كانوا فعلوا و نالوا منه و من ابنه و ما كانوا عزموا عليه. و لما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقهم اللَّه للاستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم أبوهم الى ما سألوا و ما عليه عولوا قائلا (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
قال ابن مسعود و إبراهيم التيمي و عمرو بن قيس و ابن جريج و غيرهم أرجأهم الى وقت السحر قال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن إدريس سمعت عبد الرحمن بن سحق يذكر عن محارب ابن دثار قال كان عمر يأتى المسجد فسمع إنسانا يقول (اللَّهمّ دعوتني فأجبت و أمرتنى فأطعت و هذا السحر فاغفر لي) قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد اللَّه بن مسعود فسأل عبد اللَّه عن ذلك فقال إن يعقوب أخر بنيه الى السحر بقوله (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) و قد قال اللَّه تعالى وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ و ثبت
في الصحيح عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (ينزل ربنا كل ليلة الى سماء الدنيا فيقول هل من تائب فأتوب عليه هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فاغفر له)
و قد ورد في حديث (أن يعقوب أرجأ بنيه الى ليلة الجمعة)
قال ابن جرير حدثني المثنى. ثنا سليمان بن عبد الرحمن بن أيوب الدمشقيّ حدثنا الوليد أنبأنا ابن جريج عن عطاء و عكرمة عن ابن عباس عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) يقول حتى تأتى ليلة الجمعة و هو قول أخى يعقوب لبنيه.
و هذا غريب من هذا الوجه.
و في رفعه نظر و الأشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس رضى اللَّه عنه. (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل انها ثمانون سنة و قيل ثلاث و ثمانون سنة و هما روايتان عن الحسن. و قيل خمس و ثلاثون سنة قاله قتادة. و قال محمد ابن إسحاق ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة* قال و أهل الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة و ظاهر سباق القصة يرشد الى تحديد المدة تقريبا فان المرأة راودته و هو شاب ابن سبع عشرة سنة فيما قاله غير واحد فامتنع فكان في السجن بضع سنين و هي سبع عند عكرمة و غيره. ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي جاء إخوتهم يمتارون في السنة الأولى وحدهم و في الثانية و معهم أخوه بنيامين. و في الثالثة تعرف اليهم و أمرهم بإحضار أهلهم أجمعين فجاءوا كلهم (فَلَمَّا دَخَلُوا