البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٦ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
و قد حسر لهم عن جبينه الشريف و ما يحويه من الخال فيه الّذي يعرفون (هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ. قالُوا) و تعجبوا كل العجب و قد ترددوا اليه مرارا عديدة و هم لا يعرفون أنه هو (أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي) يعنى أنا يوسف الّذي صنعتم معه ما صنعتم و سلف من أمركم فيه ما فرطتم و قوله (وَ هذا أَخِي) تأكيد لما قال و تنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد و عملوا في أمرهما من الاحتيال و لهذا قال (قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا) أي بإحسانه إلينا و صدقته علينا و إيوائه لنا و شده معاقد عزنا و ذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا و صبرنا على ما كان منكم إلينا و طاعتنا و برنا لأبينا و محبته الشديدة لنا و شفقته علينا (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا) أي فضلك و أعطاك ما لم يعطنا (وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ). أي فيما أسدينا إليك و ها نحن بين يديك (قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) أي لست أعاقبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم ذادهم على ذلك فقال (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
و من زعم أن الوقف على قوله لا تثريب عليكم و ابتدأ بقوله اليوم يغفر اللَّه لكم فقوله ضعيف و الصحيح الأول. ثم أمرهم بان يذهبوا بقميصه و هو الّذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه فإنه يرجع اليه بصره بعد ما كان ذهب باذن اللَّه و هذا من خوارق العادات و دلائل النبوات و أكبر المعجزات* ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين الى ديار مصر الى الخير و الدعة و جمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه و أعلى الأمور (وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ. قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ. فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً. قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ. قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) قال عبد الرزاق أنبأنا إسرائيل عن أبى سنان عن عبد اللَّه بن أبى الهذيل سمعت ابن عباس يقول فلما فصلت العير قال لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف (قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ) قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام. و كذا رواه الثوري و شعبة و غيرهم عن أبى سنان به. و قال الحسن البصري و ابن جريج المكيّ كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخا و كان له منذ فارقه ثمانون سنة و قوله (لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ) أي تقولون انما قلت هذا من الفند و هو الخرف و كبر السن. قال ابن عباس و عطاء و مجاهد و سعيد بن جبير و قتادة تفندون تسفهون. و قال مجاهد أيضا و الحسن تهرمون (قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) قال قتادة و السدي قالوا له كلمة غليظة. قال اللَّه تعالى فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً أي بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ما كان ضريرا و قال لبنيه عند ذلك (أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا