البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨١ - قصة قوم لوط
به القدر مما هم اليه صائرون. و صبيحة ليلتهم اليه منقلبون [١] و لهذا قال تعالى مقسما بحياة نبيه محمد (صلوات اللَّه و سلامه عليه) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ و قال تعالى وَ لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ. وَ لَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَ نُذُرِ وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ذكر المفسرون و غيرهم أن نبي اللَّه لوطا (عليه السلام) جعل يمانع قومه الدخول و يدافعهم و الباب مغلق و هم يرومون فتحه و لوجه و هو يعظهم و ينهاهم من وراء الباب و كل ما لهم في الجاج و العاج فلما ضاق الأمر و عسر الحال قال* لو أن لي بكم قوة أو آوى الى ركن شديد لأحللت بكم النكال* قالت الملائكة (يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) و ذكروا أن جبريل (عليه السلام) خرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل إنها غارت بالكلية و لم يبق لها محل و لا عين و لا أثر فرجعوا يتجسسون مع الحيطان. و يتوعدون رسول الرحمن. و يقولون إذا كان الغد كان لنا و له شان قال اللَّه تعالى وَ لَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَ نُذُرِ وَ لَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ فذلك أن الملائكة تقدمت الى لوط (عليهم السلام) آمرين له بان يسرى هو و أهله من آخر الليل و لا يلتفت منكم أحد يعنى عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه و أمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم* و قوله (إِلَّا امْرَأَتَكَ) على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله فأسر بأهلك كأنه يقول الا امرأتك فلا تسر بها. و يحتمل أن يكون من قوله و لا يلتفت منكم أحد الا امرأتك أي فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم. و يقوى هذا الاحتمال قراءة الرفع و لكن الأول أظهر في المعنى و اللَّه أعلم* قال السهيليّ و اسم امرأة لوط والهة و اسم امرأة نوح والغة. و قالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين النظراء و الأشباه الذين جعلهم اللَّه سلفا لكل خائن مريب (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) فلما خرج لوط (عليه السلام) بأهله و هم ابنتاه و لم يتبعه منهم رجل واحد و يقال إن امرأته خرجت معه فاللَّه أعلم. فلما خلصوا من بلادهم و طلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر اللَّه ما لا يرد. و من البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد* و عند أهل الكتاب أن الملائكة أمروه أن يصعد الى رأس الجبل الّذي هناك فاستبعده و سأل منهم أن يذهب الى قرية قريبة منهم فقالوا اذهب فانا ننتظرك حتى تصير اليها و تستقر فيها ثم نحل بهم العذاب فذكروا أنه ذهب الى قرية صغر التي يقول الناس غور زغر فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب قال اللَّه تعالى فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ قالوا اقتلعهن جبريل بطرف
[١] و في النسخة الحلبية منتقلون محمود الامام