البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٦ - * ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل و امه هاجر الى جبال فاران و هي أرض مكة و بنائه البيت العتيق
قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لم يكن لهم يومئذ حب. و لو كان لهم حب لدعا لهم فيه فهما لا يخلو عليهما أحد [١] بعين مكة الا لم يوافقاه قال فإذا جاء زوجك فاقرئى (عليه السلام) و مريه يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسن الهيئة و أثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال فأوصاك بشيء قالت نعم هو يقرأ عليك السلام و يأمرك أن تثبت عتبة بابك قال ذاك أبى و أمرنى أن أمسك* ثم لبث عنهم ما شاء اللَّه ثم جاء بعد ذلك و إسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام اليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد و الوالد بالولد* ثم قال يا إسماعيل إن اللَّه أمرنى بأمر قال فاصنع ما أمرك به ربك قال و تعينني قال و أعينك قال فان اللَّه أمرنى ان أبنى هاهنا بيتا و أشار الى أكمة مرتفعة على ما حولها قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتى بالحجارة و إبراهيم يبنى حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه و هو يبنى و إسماعيل يناوله الحجارة و هما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قال و جعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت و هما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثم قال حدثنا عبد اللَّه بن محمد حدثنا أبو عامر عبد الملك ابن عمرو حدثنا إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما كان من إبراهيم و أهله ما كان خرج بإسماعيل و أم إسماعيل و معهم شنة فيها ماء و ذكر تمامه بنحو ما تقدم و هذا الحديث من كلام ابن عباس و موشح برفع بعضه و في بعضه غرابة و كأنه مما تلقاه ابن عباس عن الإسرائيليات* و فيه أن إسماعيل كان رضيعا إذ ذاك* و عند أهل التوراة أن إبراهيم أمره اللَّه بان يختن ولده إسماعيل و كل من عنده من العبيد و غيرهم فختنهم و ذلك بعد مضى تسع و تسعين سنة من عمره فيكون عمر إسماعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة و هذا امتثال لأمر اللَّه عز و جل في أهله فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب و لهذا كان الصحيح من أقوال العلماء انه واجب على الرجال كما هو مقرر في موضعه و قد ثبت في الحديث الّذي
رواه البخاري حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبى الزناد عن الأعرج عن ابى هريرة قال قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اختتن إبراهيم النبي (عليه السلام) و هو ابن ثمانين سنة بالقدوم
* تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبى الزناد و تابعه عجلان عن أبى هريرة و رواه محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة* و هكذا رواه مسلم عن قتيبة به* و في بعض الألفاظ اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة و اختتن بالقدوم و القدوم هو الآلة و قيل موضع و هذا
[١] قوله فهما لا يخلو عليهما أحد الى قوله الا لم يوافقاه كذا بالأصول الشامية و المصرية و هو سقيم و في مثل هذا الموضع من العرائس للثعلبي فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت مكة أكثر أرض اللَّه برا و شعيرا و تمرا انتهى (محمود الامام)