البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٩ - ذكر هجرة الخليل (عليه السلام) الى بلاد الشام و دخوله الديار المصرية و استقراره في الأرض المقدسة
به بل انقطع و سكت و لهذا قال (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)* و قد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم و بين النمرود يوم خرج من النار و لم يكن اجتمع به يومئذ فكانت بينهما هذه المناظرة* و قد روى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم أن النمرود كان عنده طعام و كان الناس يفدون اليه للميرة فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة فكان بينهما هذه المناظرة و لم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس بل خرج و ليس معه شيء من الطعام* فلما قرب من أهله عمد الى كثيب من التراب فملأ منه عدليه و قال أشغل أهلي إذا قدمت عليهم فلما قدم وضع رحاله و جاء فاتكأ فنام فقامت امرأته سارة الى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا فعملت منه طعاما* فلما استيقظ إبراهيم وجد الّذي قد أصلحوه فقال أنى لكم هذا قالت من الّذي جئت به فعرف أنه رزق رزقهموه اللَّه عز و جل* قال زيد بن أسلم و بعث اللَّه الى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالايمان باللَّه فأبى عليه. ثم دعاه الثانية فأبى عليه. ثم الثالثة فأبى عليه. و قال اجمع جموعك و أجمع جموعي فجمع النمرود جيشه و جنوده وقت طلوع الشمس فأرسل اللَّه عليه ذبابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس و سلطها اللَّه عليهم فأكلت لحومهم و دمائهم و تركتهم عظاما بادية و دخلت واحدة منها في منخر الملك فمكثت في منخرها أربعمائة سنة عذبه اللَّه تعالى بها فكان يضرب رأسه بالمزارب في هذه المدة كلها حتى أهلكه اللَّه عز و جل بها
ذكر هجرة الخليل (عليه السلام) الى بلاد الشام و دخوله الديار المصرية و استقراره في الأرض المقدسة
قال اللَّه فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَ الْكِتابَ. وَ آتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ و قال تعالى وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ. وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ. وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ لما هجر قومه في اللَّه و هاجر من بين أظهرهم و كانت امرأته عاقرا لا يولد لها و لم يكن له من الولد أحد بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر وهبه اللَّه تعالى بعد ذلك الأولاد الصالحين و جعل في ذريته النبوة و الكتاب فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته و كل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده فعلى أحد نسله و عقبه خلعة من اللَّه و كرامة له حين ترك بلاده و أهله و أقرباءه و هاجر الى بلد يتمكن