البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٦ - * قصة هود (عليه السلام)
برهانا و إذا أبيتم قبول الحق و تماديتم في الباطل و سواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا فانتظروا الآن عذاب اللَّه الواقع بكم و بأسه الّذي لا يرد و نكاله الّذي لا يصد و قال تعالى قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ و قال تعالى قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ. فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ. تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ و قد ذكر اللَّه تعالى خبر إهلاكهم في غير ما آية كما تقدم مجملا و مفصلا كقوله فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ قَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ ما كانُوا مُؤْمِنِينَ و كقوله وَ لَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ نَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ. وَ تِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ عَصَوْا رُسُلَهُ وَ اتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَ أُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ و كقوله فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ و قال تعالى فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) و أما تفصيل إهلاكهم فلما قال تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب أنهم كانوا ممحلين مسنتين فطلبوا السقيا قرءوا عارضا في السماء و ظنوه سقيا رحمة فإذا هو سقيا عذاب. و لهذا قال تعالى بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ أي من وقوع العذاب و هو قولهم فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ و مثلها في الأعراف.
و قد ذكر المفسرون و غيرهم هاهنا الخبر الّذي ذكره الامام محمد بن إسحاق بن بشار قال فلما أبوا إلا الكفر باللَّه عز و جل أمسك عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك قال و كان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان فطلبوا من اللَّه الفرج منه إنما يطلبونه بحرمة و مكان بيته و كان معروفا عند أهل ذلك الزمان و به العماليق مقيمون و هم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح و كان سيدهم إذ ذاك رجلا يقال له معاوية بن بكر و كانت أمه من قوم عاد و اسمها جلهدة ابنة الخيبري. قال فبعث عاد وفدا قريبا من سبعين رجلا ليستقوا لهم عند الحرم فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر يغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية و كانوا قد وصلوا اليه في شهر. فلما طال مقامهم عنده و أخذته شفقة على قومه و استحيى منهم أن يأمرهم بالانصراف عمل شعرا فيعرض لهم بالانصراف و أمر القينتين أن تغنيهم به فقال
ألا يا قيل ويحك قم فهينم* * * لعل اللَّه يمنحنا غماما فيسقى أرض عاد ان عادا
قد أمسوا لا يبينون الكلاما