البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٥ - * قصة هود (عليه السلام)
رَبِّ انْصُرْنِي* استبعدوا المعاد و أنكروا قيام الأجساد بعد صيرورتها ترابا و عظاما و قالوا هيهات هيهات أي بعيد بعيد هذا الوعد إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ أي يموت قوم و يحيى آخرون* و هذا هو اعتقاد الدهرية كما يقول بعض الجهلة من الزنادقة أرحام تدفع و أرض تبلع* و أما الدورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودون الى هذه الدار بعد كل ستة و ثلاثين ألف سنة و هذا كله كذب و كفر و جهل و ضلال و أقوال باطلة و خيال فاسد بلا برهان و لا دليل يستميل عقل الفجرة الكفرة من بنى آدم الذين لا يعقلون و لا يهتدون كما قال تعالى وَ لِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ و قال لهم فيما وعظهم به (أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) يقول لهم أ تبنون بكل مكان مرتفع بناء عظيما هائلا كالقصور و نحوها تعبثون ببنائها لانه لا حاجة لكم فيه و ما ذاك إلا لانهم كانوا يسكنون الخيام كما قال تعالى (أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ) فعاد إرم هم عاد الأولى الذين كانوا يسكنون الا عمدة التي تحمل الخيام* و من زعم أن إرم مدينة من ذهب و فضة و هي تتنقل في البلاد فقد غلط و أخطأ و قال ما لا دليل عليه* و قوله (وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ) قيل هي القصور* و قيل بروج الحمام* و قيل مآخذ الماء (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) أي رجاء منكم أن تعمروا في هذه الدار أعمارا طويلة (وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ. وَ اتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ وَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) و قالوا له مما قالوا (أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَ نَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) اى أ جئتنا لنعبد اللَّه وحده و نخالف آباءنا و أسلافنا و ما كانوا عليه* فان كنت صادقا فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب و النكال فانا لا نؤمن بك و لا نتبعك و لا نصدقك كما قالوا (سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ. إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ. وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) أما على قراءة فتح الخاء فالمراد به اختلاق الأولين أي ان هذا الّذي جئت به الا اختلاق منك و أخذته من كتب الأولين* هكذا فسره غير واحد من الصحابة و التابعين* و أما على قراءة ضم الخاء و اللام فالمراد به الدين أي ان هذا الدين الّذي نحن عليه الا دين الآباء و الأجداد من أسلافنا و لن نتحول عنه و لا نتغير و لا نزال متمسكين به. و يناسب كلا القراءتين الاولى و الثانية قولهم (وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) قال (قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَ غَضَبٌ أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) اى قد استحققتم بهذه المقالة الرجس و الغضب من اللَّه أ تعارضون عبادة اللَّه وحده لا شريك له بعبادة أصنام أنتم نحتموها و سميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم اصطلحتم عليها أنتم و آباؤكم ما نزل اللَّه بها من سلطان أي لم ينزل على ما ذهبتم اليه دليلا و لا