البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٣ - * قصة هود (عليه السلام)
القصص في أماكنها من كتابنا التفسير و للَّه الحمد و المنة* و قد جرى ذكر عاد في سورة براءة و إبراهيم و الفرقان و العنكبوت و في سورة (ص) و في سورة (ق) و لنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه السياقات مع ما يضاف الى ذلك من الأخبار* و قد قدمنا أنهم أول الأمم عبدوا الأصنام بعد الطوفان. و ذلك بين في قوله لهم وَ اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَ زادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً أي جعلهم أشد أهل زمانهم في الخلقة و الشدة و البطش. و قال في المؤمنون (ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) و هم قوم هود على الصحيح* و زعم آخرون أنهم ثمود لقوله (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً) قالوا و قوم صالح هم الذين أهلكوا بالصيحة (وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ) و هذا الّذي قالوه لا يمنع من اجتماع الصيحة و الريح العاتية عليهم كما سيأتي في قصة أهل مدين أصحاب الأيكة فإنه اجتمع عليهم أنواع من العقوبات* ثم لا خلاف أن عادا قبل ثمود* و المقصود أن عادا كانوا عربا جفاة كافرين عتاة متمردين في عبادة الأصنام فأرسل اللَّه فيهم رجلا منهم يدعوهم الى اللَّه و الى إفراده بالعبادة و الإخلاص له فكذبوه و خالفوه و تنقصوه فأخذهم اللَّه أخذ عزيز مقتدر فلما أمرهم بعبادة اللَّه و رغبهم في طاعته و استغفاره و وعدهم على ذلك خير الدنيا و الآخرة و توعدهم على مخالفة ذلك عقوبة الدنيا و الآخرة قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ أي هذا الأمر الّذي تدعونا اليه سفه بالنسبة الى ما نحن عليه من عبادة هذه الأصنام التي يرتجى منها النصر و الرزق و مع هذا نظن أنك تكذب في دعواك أن اللَّه أرسلك (قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) أي ليس الأمر كما تظنون و لا ما تعتقدون (أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ) و البلاغ يستلزم عدم الكذب في أصل المبلغ و عدم الزيادة فيه و النقص منه و يستلزم إبلاغه بعبارة فصيحة وجيزة جامعة مانعة لا لبس فيها و لا اختلاف و لا اضطراب و هو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النصح لقومه و الشفقة عليهم و الحرص على هدايتهم لا يبتغى منهم اجرا و لا يطلب منهم جعلا بل هو مخلص للَّه عز و جل في الدعوة اليه و النصح لخلقه لا يطلب اجره الا من الّذي أرسله فان خير الدنيا و الاخرة كله في يديه و أمره اليه و لهذا (قال يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ) أي ما لكم عقل تميزون به و تفهمون أنى أدعوكم الى الحق المبين الّذي تشهد به فطركم التي خلقتم عليها و هو دين الحق الّذي بعث اللَّه به نوحا و أهلك من خالفه من الخلق و ها أنا أدعوكم اليه و لا أسألكم أجرا عليه بل أبتغي ذلك عند اللَّه مالك الضر و النفع و لهذا قال مؤمن يس (اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ. وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) و قال قوم هود له فيما قالوا (يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَ ما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَ ما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) يقولون ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ما جئت به و ما نحن بالذين