البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٥ - * قصة نوح (عليه السلام)
وعدت بنجاتهم أي أما قلنا لك و أهلك الا من سبق عليه القول منهم فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم بان سيغرق بكفره و لهذا ساقته الأقدار الى ان انحاز عن حوزة أهل الايمان فغرق مع حزبه أهل الكفر و الطغيان* ثم قال تعالى قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَ بَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَ عَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ هذا أمر لنوح (عليه السلام) لما نضب الماء عن وجه الأرض و أمكن السعي فيها و الاستقرار عليها أن يهبط من السفينة التي كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجودي* و هو جبل بأرض الجزيرة مشهور و قد قدمنا ذكره عند خلق الجبال (بِسَلامٍ مِنَّا وَ بَرَكاتٍ) أي اهبط سالما مباركا عليك و على أمم ممن سيولد بعد أي من أولادك فان اللَّه لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا و لا عقبا سوى نوح (عليه السلام) قال تعالى وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بنى آدم ينسبون الى أولاد نوح الثلاثة و هم «سام و حام و يافث»*
قال الامام أحمد حدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (سام أبو العرب و حام أبو الحبش و يافث أبو الروم) و رواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا نحوه
و قال الشيخ ابو عمرو ابن عبد البر و قد روى عن عمران بن حصين عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مثله. قال و المراد بالروم هنا الروم الأول و هم اليونان المنتسبون الى رومي بن لبطي بن يونان بن يافث بن نوح (عليه السلام)* ثم روى من حديث إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال (ولد نوح ثلاثة سام و يافث و حام و ولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة فولد سام العرب و فارس و الروم. و ولد يافث الترك و السقالبة و يأجوج و مأجوج و ولد حام القبط و السودان و البربر) قلت و قد
قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة حدثنا إبراهيم بن هانئ و أحمد بن حسين بن عباد أبو العباس قالا حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي حدثني أبى عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (ولد لنوح سام و حام و يافث فولد لسام العرب و فارس و الروم و الخير فيهم. و ولد ليافث يأجوج و مأجوج و الترك و السقالبة و لا خير فيهم* و ولد لحام القبط و البربر و السودان)
ثم قال لا نعلم يروى مرفوعا الا من هذا الوجه. تفرد به محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه و قد حدث عنه جماعة من أهل العلم و احتملوا حديثه. و رواه غيره عن يحيى بن سعيد مرسلا و لم يسنده و انما جعله من قول سعيد. قلت و هذا الّذي ذكره أبو عمرو هو المحفوظ عن سعيد قوله* و هكذا روى عن وهب بن منبه مثله و اللَّه أعلم* و يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ضعيف بمرة لا يعتمد عليه* و قد قيل إن نوحا (عليه السلام) لم يولد له هؤلاء الثلاثة الأولاد الا بعد الطوفان و انما ولد له قبل السفينة كنعان الّذي غرق و عابر مات قبل