البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١١ - * قصة نوح (عليه السلام)
لنرشدك الى الصواب في صنعتها (فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) فتقدم اليه بأمره العظيم العالي أنه إذا جاء أمره و حل بأسه أن يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات و سائر ما فيه روح من المأكولات و غيرها لبقاء نسلها و ان يحمل معه أهله أي أهل بيته الا من سبق عليه القول منهم اى الا من كان كافرا فإنه قد نفذت فيه الدعوة التي لا ترد و وجب عليه حلول البأس الّذي لا يرد و أمر أنه لا يراجعه فيهم إذا حل بهم ما يعاينه من العذاب العظيم الّذي قد حتمه عليهم الفعال لما يريد كما قدمنا بيانه قبل.
و المراد بالتنور عند الجمهور وجه الأرض أي نبعت الأرض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التي هي محال النار. و عن ابن عباس التنور عين في الهند و عن الشعبي بالكوفة و عن قتادة بالجزيرة* و
قال على بن أبى طالب المراد بالتنور فلق الصبح
و تنوير الفجر أي إشراقه و ضياؤه أي عند ذلك فاحمل فيها من كل زوجين اثنين و هذا قول غريب* و قوله تعالى حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ هذا أمر بأن عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين و في كتاب أهل الكتاب أنه أمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعة أزواج و مما لا يؤكل زوجين ذكرا و أنثى و هذا مغاير لمفهوم قوله تعالى في كتابنا الحق (اثنين) إن جعلنا ذلك مفعولا به. و أما إن جعلناه توكيدا لزوجين و المفعول به محذوف فلا ينافي و اللَّه أعلم* و ذكر بعضهم و يروى عن ابن عباس أن أول ما دخل من الطيور الدّرة و آخر ما دخل من الحيوانات الحمار* و دخل إبليس متعلقا بذنب الحمار. و
قال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا عبد اللَّه بن صالح حدثني الليث حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه و كيف نطمئن أو كيف تطمئن المواشي و معنا الأسد فسلط اللَّه عليه الحمّى فكانت أول حمى نزلت في الأرض* ثم شكوا الفارة فقالوا الفويسقة تفسد علينا طعامنا و متاعنا فأوحى اللَّه الى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها. هذا مرسل
* و قوله (وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) أي من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر فكان منهم ابنه يام الّذي غرق كما سيأتي بيانه (و من آمن) أي و احمل فيها من آمن بك من أمتك قال اللَّه تعالى وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ هذا مع طول المدة و المقام بين أظهرهم و دعوتهم الأكيدة ليلا و نهارا بضروب المقال و فنون التلطفات و التهديد و الوعيد تارة و الترغيب و الوعد أخرى.
و قد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة فعن ابن عباس كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم.