البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٠ - * قصة نوح (عليه السلام)
عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ و قد كانت سجاياهم الكفر الغليظ و العناد البالغ في الدنيا و هكذا في الآخرة فإنهم يجحدون أيضا أن يكون جاءهم رسول كما
قال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (يجيء نوح (عليه السلام) و أمته فيقول اللَّه عز و جل هل بلغت فيقول نعم أي رب فيقول لأمته هل بلغكم فيقولون لا ما جاءنا من نبي فيقول لنوح من يشهد لك فيقول محمد و أمته فتشهد أنه قد بلغ)
و هو قوله (وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).
و الوسط العدل. فهذه الأمة تشهد على شهادة نبيها الصادق المصدوق بأن اللَّه قد بعث نوحا بالحق و أنزل عليه الحق و أمره به و أنه بلغه الى أمته على أكمل الوجوه و أتمها و لم يدع شيئا مما ينفعهم في دينهم الا و قد أمرهم به و لا شيئا مما قد يضرهم الا و قد نهاهم عنه و حذرهم منه* و هكذا شأن جميع الرسل حتى أنه حذر قومه المسيح الدجال و ان كان لا يتوقع خروجه في زمانهم حذرا عليهم و شفقة و رحمة بهم كما
قال البخاري حدثنا عبدان حدثنا عبد اللَّه عن يونس عن الزهري قال سالم قال ابن عمر قام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الناس فأثنى على اللَّه بما هو أهله. ثم ذكر الدجال فقال (إني لأنذركموه و ما من نبي الا و قد أنذره قومه. لقد أنذره نوح قومه و لكنى أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور و أن اللَّه ليس باعور)
و هذا الحديث
في الصحيحين أيضا من حديث شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى ابن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (الا أحدثكم عن الدجال حديثا ما حدث به نبي قومه انه أعور و انه يجيء معه بمثال الجنة و النار و التي يقول عليها الجنة هي النار و انى أنذركم كما أنذر به نوح قومه) لفظ البخاري.
و قد قال بعض علماء السلف لما استجاب اللَّه له أمره ان يغرس شجرا ليعمل منه السفينة فغرسه و انتظره مائة سنة ثم نجره في مائة أخرى و قيل في أربعين سنة فاللَّه أعلم* قال محمد بن إسحاق عن الثوري و كانت من خشب الساج* و قيل من الصنوبر. و هو نص التوراة. قال الثوري و أمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعا و عرضها خمسين ذراعا و ان يطلى ظاهرها و باطنها بالقار و ان يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء* و قال قتادة كان طولها ثلاثمائة ذراع في عرض خمسين ذراعا و هذا الّذي في التوراة على ما رأيته* و قال الحسن البصري ستمائة في عرض ثلاثمائة و عن ابن عباس ألف و مائتا ذراع في عرض ستمائة ذراع* و قيل كان طولها ألفي ذراع و عرضها مائة ذراع. قالوا كلهم و كان ارتفاعها ثلاثين ذراعا و كانت ثلاث طبقات. كل واحدة عشرة أذرع. فالسفلى للدواب و الوحوش و الوسطى للناس و العليا للطيور و كان بابها في عرضها و لها غطاء من فوقها مطبق عليها* قال اللَّه تعالى قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا أي بأمرنا لك و بمرأى منا لصنعتك لها و مشاهدتنا لذلك