البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٩ - * قصة نوح (عليه السلام)
فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَ هُمْ ظالِمُونَ اى و مع هذه المدة الطويلة فما آمن به الا القليل منهم و كان كل ما انقرض جيل وصوا من بعدهم بعدم الايمان به و محاربته و مخالفته* و كان الوالد إذا بلغ ولده و عقل عنه كلامه وصاه فيما بينه و بينه ان لا يؤمن بنوح ابدا ما عاش و دائما ما بقي و كانت سجاياهم تأبى الايمان و اتباع الحق و لهذا قال (وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) و لهذا قالوا (قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) اى انما يقدر على ذلك اللَّه عز و جل فإنه الّذي لا يعجزه شيء و لا يكترثه أمر بل هو الّذي يقول للشيء كن فيكون (وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أي من يرد اللَّه فتنته فلن يملك أحد هدايته هو الّذي يهدى من يشاء و يضل من يشاء و هو الفعال لما يريد و هو العزيز الحكيم العليم بمن يستحق الهداية و من يستحق الغواية. و له الحكمة البالغة و الحجة الدامغة (وَ أُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) تسلية له عما كان منهم اليه (فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) و هذه تعزية لنوح (عليه السلام) في قومه أنه لن يؤمن منهم الا من قد آمن اى لا يسوأنك ما جرى فان النصر قريب و النبأ عجيب (وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) و ذلك ان نوحا (عليه السلام) لما يئس من صلاحهم و فلاحهم و رأى أنهم لا خير فيهم و توصلوا الى أذيته و مخالفته و تكذيبه بكل طريق من فعال و مقال دعا عليهم دعوة غضب فلبى اللَّه دعوته و أجاب طلبته قال اللَّه تعالى وَ لَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ. وَ نَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. و قال تعالى وَ نُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. و قال تعالى قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَتْحاً وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ و قال تعالى فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ و قال تعالى قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ و قال تعالى مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً. وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم و فجورهم و دعوة نبيهم عليهم فعند ذلك امره اللَّه تعالى ان يصنع الفلك و هي السفينة العظيمة التي لم يكن لها نظير قبلها و لا يكون بعدها مثلها. و قدم اللَّه تعالى اليه أنه إذا جاء أمره و حل بهم بأسه الّذي لا يرد عن القوم المجرمين أنه لا يعاوده فيهم و لا يراجعه فإنه لعله قد تدركه رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم فإنه ليس الخبر كالمعاينة و لهذا قال وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ وَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ وَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ اى يستهزءون به استعباد الوقوع ما توعدهم به قال إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ اى نحن الذين نسخر منكم و نتعجب منكم في استمراركم على كفركم و عنادكم الّذي يقتضي وقوع العذاب بكم و حلوله عليكم فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ