البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٧ - * قصة نوح (عليه السلام)
مثله نفسي نفسي. و ذكر تمام الحديث بطوله كما أورده البخاري في قصة نوح
* فلما بعث اللَّه نوحا (عليه السلام) دعاهم الى افراد العبادة للَّه وحده لا شريك له و أن لا يعبدوا معه صنما و لا تمثالا و لا طاغوتا و أن يعترفوا بوحدانيته و أنه لا إله غيره و لا رب سواه كما أمر اللَّه تعالى من بعده من الرسل الذين هم كلهم من ذريته كما قال تعالى وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ و قال فيه و في إبراهيم وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْكِتابَ أي كل نبي من بعد نوح فمن ذريته. و كذلك إبراهيم قال اللَّه تعالى وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ و قال تعالى وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ و قال تعالى وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ و لهذا قال نوح لقومه اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ و قال أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ و قال يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ و قال يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ. يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً. فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً* ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً. وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً الآيات الكريمات. فذكر انه دعاهم الى اللَّه بأنواع الدعوة في الليل و النهار و السر و الإجهار بالترغيب تارة و الترهيب أخرى و كل هذا فلم ينجح فيهم بل استمر أكثرهم على الضلالة و الطغيان و عبادة الأصنام و الأوثان و نصبوا له العداوة في كل وقت و أوان و تنقصوه و تنقصوا من آمن به و توعدوهم بالرجم و الإخراج و نالوا منهم و بالغوا في أمرهم (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ) اى السادة الكبراء منهم (إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) أي لست كما تزعمون من أنى ضال بل على الهدى المستقيم رسول من رب العالمين اى الّذي يقول للشيء كن فيكون أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنْصَحُ لَكُمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
و هذا شأن الرسول أن يكون بليغا اى فصيحا ناصحا أعلم الناس باللَّه عز و جل. و قالوا له فيما قالوا (ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) تعجبوا ان يكون بشرا رسولا و تنقصوا بمن اتبعه و رأوهم أراذلهم* و قد قيل انهم كانوا من أقياد الناس و هم ضعفاؤهم كما قال هرقل و هم أتباع الرسل و ما ذاك الا لأنه لا مانع لهم من اتباع الحق و قولهم بادى الرأى أي بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر و لا روية و هذا