أصحاب محمد الذين أحسنوا الصحبة - فوزي آل سيف - الصفحة ١٥١ - التسفير الثاني ونهاية حياته غريبا
اقترحوا حلًّا مضحكًا وهو أن يكون ذلك بطلب من أبي ذر نفسه! واقتراحه على الخليفة أن يبعثه هناك! حيث لا زرع ولا ضرع ولا أنيس! فإذا كان ذلك باقتراحه فلماذا يُنهى عن تشييعه حين خروجه إلى حد التهديد بالعقوبة لمن يفعل؟! هل هناك عاقل يخرج من جوار رسول الله ٦ حيث المعنى الأكبر للبركة والرحمة، ومن بيته في المدينة حيث الراحة النسبية، ليخرج وهو قد تجاوز السبعين من العمر مع زوجته وابنته ليضرب في الصحراء خيمته ويعيش منتظرًا أجله!
ولم يكن معه بعد ذلك إلا ابنته وزوجته (وفي رواية أن زوجته توفيت قبله)، حينما حانت منه الوفاة، فأوصاها بأنه سيأتي ركب إليه لجنازته، كما أخبره بذلك النبي ٦ في حديثه المعروف بين الفريقين: " رحمك الله يا أبا ذر، تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك ".
وبينما جنازته في داخل الخيمة " فإذا برهط قد أقبلوا من بيت الله الحرام، منهم الأحنف بن قيس التميمي وصعصعة بن صوحان العبدي ومالك الأشتر النخعي وآخرين.. فطلبت منهم تجهيزه كما أخبرها أبو ذر قبل موته، فاستجابوا لها وباشروا في تجهيزه، ولما سووا عليه التراب قام الأشتر على قبره فحمد الله وأثنى عليه وذكر نبيه محمدًا صلوات الله عليه، ثم قال: اللهم! هذا أبو ذر جندب بن جنادة بن سكن الغفاري صاحب رسولك محمد ٦، اتبع ما أنزلت من آياتك، وجاهد في سبيلك، ولم يغير ولم يبدل، ولكن رأى منكرًا فأنكره بلسانه وقلبه، فحُقّر وحُرم حتى افتقر وضُيّع حتى مات غريبًا في أرض غربة، اللهم! فأعطه من الجنة حتى يرضى، واقصم من طرده وحرمه ونهاه من مهاجره حرم رسولك محمد ٦".[١]
[١]) بن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح ٢/١١٢