أصحاب محمد الذين أحسنوا الصحبة - فوزي آل سيف - الصفحة ١٠٤ - خُزَيمة بن ثابت ذو الشهادتين
مكة وكان صاحب راية قومه بني خطمة، بل ومؤتة، وأبلى في كل واحدة بلاء حسنًا، إلا أن شهرته والحديث عنه إنما يكون ضمن قصة هبة رسول الله إياه شهادتين في حادثة فريدة لم تتكرر في زمان رسول الله ٦ ولا بعده، ليعلي النبي منزلة تصديقه المطلق الجازم حتى لا يتساءل بعضهم ببلاهة عندما يسمع النبي يبلغ عن ربه (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)[١] فيتساءل هذا أو ذاك: أهذا من عندك أو من عند ربك!! أو يتردد بعضهم بمكرٍ إلى الحد الذي يرى إنه ليهجر!
خزيمة بن ثابت في رحاب رسول الله يستهدي بهداه، ويستضيء بنور علمه ويزداد في كل يوم بصيرة بمنزلة النبي المصطفى ٦ فيعرف أن هذا الذي أُخذ على الأنبياء والمرسلين السابقين من آدم ونوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى مرورًا بآلاف الرسل والأوصياء، ميثاق تصديقه والإيمان به وإلا لما صاروا بمنزلةٍ من الله عز وجل. يزداد معرفة بأنه هذا النبي الذي يخاطبه الله تعالى في القرآن بما لم يخاطب به عبدًا من عباده، هو منتهى الكمال البشري، فلا يصير أحد إليه ولا يصل أحد إلى منزلته، وهو في أعلى درجات العصمة عن كل نقص وعجز إنساني، هو معصوم عن الذنب بل عن الخطأ والسهو أيضا، سواء كان في تبليغه الرسالة أو حياته العادية.
وبهذا الفهم المباشر والفطري فقد اختصر خزيمة المسافات التي تاه فيها حتى بعض من تأخر من (العلماء) الذين يفترض فيهم أنهم وقد نضجت الاستدلالات وتعمقت الأبحاث أن تكون الحقائق أقرب إليهم، وأن تكون معرفتهم بنبيهم أعمق!
إلا أننا وجدنا أن بعضهم ولا سيما غير المنتمين لمدرسة أهل البيت : لا يعتقدون بعصمة النبي ٦ في غير التبليغ،[٢]فهو في تبليغ الآيات والأحكام كما
[١] ) سورة المائدة، الآية ٦٧
[٢]) الصنعاني؛ عبد الرزاق: تفسير عبد الرزاق ٣/٤١٨ عَنْ قَتادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ: «كانَ اللَّهُ يُنْسِي نَبِيَّهُ ما يَشاءُ»! وفي مدونة مالك بن أنس ١ /١٩٦..عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ٦ - صَلّى بِالنّاسِ يَوْمًا الصُّبْحَ فَقَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١] فَأسْقَطَ آيَةً، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: أفِي المَسْجِدِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ قالَ: نَعَمْ، ها أنا ذا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَما مَنَعَكَ أنْ تَفْتَحَ عَلَيَّ حِينَ أسْقَطْتُ؟ قالَ: خَشِيتُ أنَّها نُسِخَتْ، قالَ: فَإنَّها لَمْ تُنْسَخْ».
وفي مصنف ابن أبي شيبة ١/٣٨٣.. صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ٦ صَلاةً فَزادَ أوْ نَقُصَ، فَلَمّا سَلَّمَ وأقْبَلَ عَلى القَوْمِ بِوَجْهِهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ قالَ: «وما ذاكَ» قالُوا: صَلَّيْتُ كَذا وكَذا، فَثَنى رِجْلَهُ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، وأقْبَلَ عَلى القَوْمِ بِوَجْهِهِ، فَقالَ: «إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ أنْبَأْتُكُمْ بِهِ، ولَكِنِّي بَشَرٌ أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، فَإذا سَها أحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ فَإذا سَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ»!
وقصة من سمي بذي اليدين أو ذي الشمالين مشهورة في كتب القوم! وهي وإن كانت موجودة في بعض مروياتنا إلا أن علماءنا ردوها بأدلة نقلية ثابتة بل وبأدلة عقلية.