أصحاب محمد الذين أحسنوا الصحبة - فوزي آل سيف - الصفحة ١٦ - أدلة نظرية عدالة الصحابة
عدول كذلك، وهكذا إلى المرحلة الثالثة.
الأغرب من ذلك ما ذكره المقريزي الشافعي [ت: ٨٤٥هـ] في كتابه (إمتاع الأسماع) وهو يذكر خصائص أصحاب رسول الله ٦، حيث ينبغي أن نضع في حسابنا مائة وأربعة عشر ألف إنسان، منهم الوليد بن عقبة، ومروان بن الحكم، وأبو سفيان وأمثال هؤلاء، حيث جعل القضية غيبية فقال: " ونحن وإن بلغنا من الفضل ما عسانا نبلغه، فإن فَهم مقامهم على مقدارهم، مستحيل أن يصل منا أحد إليه، لبلوغنا الغاية في الانحطاط عن مرتبتهم، لكنا إنما نفهم مقامهم على قدرنا، وذلك أن أكثر ما نبحث عنه من العلوم، وندأب فيه، فإنه حاصل عند الصحابة بأصل الخلقة، لا يحتاجون فيه إلى تكلف طلب، ولا مشقة درس... وكذلك ما فطروا عليه من العقول الرصينة، ما منّ الله تعالى به عليهم، من إفاضة نور النبوة العاصم من الخطأ في الفكر"[١].
وعلى ضوء هذا الرأي فإن علم الصحابي ليس كبقية البشر علم مكتسب، بل علمهم من أصل الخلقة، مضافًا إلى "ما فُطروا عليه من العقول الرصينة وما منّ الله به عليهم من إفاضة نور النبوة العاصم من الخطأ في الفكر..".
ثانياً: أين كان هؤلاء الصحابة المنتخبين من الله؟ أو من جعل في أصل خلقتهم العلم والمعرفة وإن عقولهم استثنائية صب عليها النبي نور النبوة؟ أين كانوا قبل إيمانهم برسول الله ٦ بنصف ساعة؟ حيث يتمرغ بعضهم في التراب سجودًا للأصنام، أو يصنع صنماً من التمر بيده ثم إذا جاع أكله... فأين كانت هذه العقول الرصينة؟
فهذه الأدلة لا تصمد عند عرضها على العقل السليم.
[١] إمتاع الأسماع للمقريزي: ج٩، ص٢٢١.