أصحاب محمد الذين أحسنوا الصحبة - فوزي آل سيف - الصفحة ١٢٤ - بطاقة شخصية
يتناقل القصة والحادثة من قرشيين ومسلمين.[١]
وبقدر ما خرج هؤلاء واثقين فقد تنمّر كفار قريش عليهم، مقسمين بأن يكسروا شوكة المسلمين وأن ينفوا هذا الدين وأهله! لا سيما وقد توفي حامي الرسول ٦ والرأس المطاع والشخصية المهابة أبو طالب بن عبد المطلب.
لا طريق إذن غير الهجرة والفرار بالدين من الوطن وجحود أهله. وهكذا كان.
هاجر مصعب بن عمير فيمن هاجر من المسلمين المضطهدين إلى الحبشة حيث الملك العادل هناك، وما لبثوا غير برهة من الزمان حتى وصلت الأخبار إليهم بأن قريشاً قد فشا فيها الإسلام، وأن وضع المسلمين قد تحسن في مكة.. فعلامَ إقامتهم في الغربة؟ انتشر هذا الخبر بين المهاجرين انتشار النار في الهشيم، وعزم غير واحد من المهاجرين على العودة إلى مكة سريعاً فيما آثر آخرون الانتظار والتريث واستطلاع الأمر على حقيقته أو حتى انتظار أمر النبي ٦.
وكان في العائدين مصعب، يحدوه الشوق الكبير في أن يرى والديه وقد أضاء قلبَهما نورُ الإسلام ويطمع في أن يمتع ناظريه بوقوفهما بين يدي الله خاشعين.. لكن كما صُدم غيره فقد صُدم لكون الخبر مكذوبًا وأنه لا حقيقة له! بل لقد سمع أن "أمه حلفت حين أسلم وهاجر ألا تأكل ولا تشرب ولا تستظل بظل حتى يرجع إليها، فكانت تقف للشمس حتى تسقط مغشياً عليها، وكان بنوها يحشون فاها بشجار، وهو عود فيصبون فيه الحساء لئلا تموت"[٢]
إننا لا نستبعد - وإن كنا لا نملك وثائق واضحة - أن يكون كفار قريش وكبارها قد سربوا هذا الخبر المكذوب لاسترجاع المسلمين من الحبشة ليكونوا في قبضتها تفتنهم عن دينهم، فلا يتحقق للدين الإسلامي انتشار خارج مكة، بل يتقلص حتى
[١]) تعرضنا بشكل مفصل للحادثة عند الحديث عن أبي طالب في كتابنا: أعلام من الأسرة النبوية.
[٢]) السهيلي؛ عبد الرحمن: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية ت الوكيل ٤/٩٧