رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٩٥ - فصل
و اعلم أن المراد من جميع الصنائع العملية و المعارف العلمية ينقسم قسمين لا ثالث لهما، أحدهما ما يكون به صلاح الجسم و قوامه على الحالة الصالحة، و الآخر ما يكون به صلاح النفس بعد مفارقتها الجسم و الموت و كونها في معادها على الحالة الصالحة لها، و إذا كان ذلك كذلك، فالواجب عليك أيها الأخ أن تحرص و تجتهد فيما تكمّل به السعادتين و تنال به المنزلتين، و السبب في اختلاف الصنائع و كثرة أنواعها هو لأجل عمارة الدنيا و ما هي مبنيّة عليه من التضادّ و الاختلاف في الأفعال و الأعمال، و بهذا الاختلاف و التضادّ يصير أمرها إلى الهلاك و الاضمحلال.
و اعلم يا أخي أنه من وفّق له أن ينال ما به قوام نفسه و جسمه من علم واحد، و معرفة واحدة، فقد نال السعادة الكاملة و النعمة الشاملة، و هو أن يكون منزّها عن الأفعال الدنيّة و الصنائع المتعبة و الأعمال الشاقة، و تكون صناعته منطقية لا يحتاج إلى آلة صناعية و لا يستعين عليها بشيء من أعضاء جسده إلّا باللسان و القوّة المحركة لليد بالكتابة لما يحتاج أن يكتبه، و استعمال الفكر و الرويّة و جودة الخاطر و ذكاء النفس و جودة الحس.
فلما طلبنا هذه المعرفة الجامعة لما ذكرنا، لم نجد إلّا المعرفة بحوادث الفلك و أحكامه بعد معرفة علم الحساب و علم العدد الذي به يقدر على ذلك من أراد.
و بحسب معرفته بالحساب و علم العدد يكون علمه و معرفته بأمر النجوم، و إن كان علم الحساب و العدد هو المدخل إلى جميع العلوم.
و اعلم يا أخي أن الصنائع كلها، ظواهرها موضوعة لصلاح الأجسام، و بواطنها لصلاح الأرواح، مما كان منها معمولا به على ما وصفته الحكماء و أخبرت به الأنبياء. فأما ما وقع فيه التبديل و التغيير فقد خرج عن هذه الصفة، و صار فتنة في الدين و الدنيا، فنظرنا إلى الصنائع الحكميّة فرأينا أقسامها معتدلة، و نسبتها مستوية، لأنها متقنة و نتائجها حسنة، و ظواهرها مطابقة لبواطنها لا تخالفها، و ظواهرها دالّة على إتقان صنع الصانع الحكيم