رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥٠ - فصل
الوصول إليه و الدخول إلى عنده، حتى عرف الداخلين و الخارجين من عنده و إليه، فوقع اختياره على أحد الخدم المختصّين به، فرصده يوما حتى وجده خاليا، و أخذ بيده إلى جانب الطريق و قال له: اسمع ما أقول، و اكتم على سرّي، و اعلم بأن عندي نصيحة لابن الملك، و قد وقع اختياري عليك لما توسّمت فيك من الخيريّة.
قال له الخادم: ما هذه الحاجة و ما هذه النصيحة؟ أسمعنيها حتى أعرفها.
قال له: أنا رجل من تجار البحر و قد وقع بيدي جواهر مثمّنة نفيسة لا تصلح إلّا للملوك و أبناء الملوك، و قد قصدت هذا الفتى لأعرضها عليه، فإن كانت تصلح له و اختارها فهي مبذولة له، و إن لم يكن يريدها ردّت إليّ سرّا و لم يعلم بها أحد من الناس، فإني لست آمن من أن يشعر بها بعض اللصوص أو الطرّارين[١] فيحتال علي في أخذها.
فقال له الخادم: أرني جواهرك أنظر إليها، فإن كانت تصلح له حملتها إليه.
فقال الحكيم: إن لجواهري شعاعا و بريقا شديدا لا تستطيع النظر إليها، لأن في عينيك ضعفا، أشفق عليك ضررا، و أما ابن الملك فشابّ حدث جيّد النظر، حادّ البصر لا أخاف عليه منه ضررا.
فقال له الخادم: إن هذا الأمر الذي تصف لأمر عظيم و ما أرى بكلامك بأسا، و أنا شاكّ فيما تقول، فكيف أصنع؟
فقال الحكيم: لا يسعك أن تحرم ابن الملك هذه النصيحة إذا بذلتها له، و اعلم بأنك إن لم توصلني إليه مع سفطي هذا توسّلت بغيرك إليه.
فذهب الخادم و عرّف الفتى. فلما سمع ابن الملك ذلك الحديث تهلّل وجهه، و داخله من الفرح و السرور ما لم يتمالك نفسه أن قام من مجلسه،
[١] -الطرارون: اللصوص الذين يشقون الجيوب و يسرقون.