رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥ - الرسالة الثالثة من العلوم الناموسية و الشرعية في بيان اعتقاد إخوان الصفاء و مذهب الربانيين(و هي الرسالة الرابعة و الأربعون من رسائل إخوان الصفاء)
عليهم في ذلك لشدة شفقته على أبناء جنسه، و رحمته لهم و تحننه عليهم، و حرصه على مداواتهم طلبا لمرضاة اللّه، عز و جل، بأن طلب من أهل تلك المدينة رجلا من فضلائهم الذين كان بهم ذلك المرض، فأعطاه شربة من شربات كانت معه قد أعدها لمداواتهم، و سعطه[١] بدخنة[٢] كانت معه لمعالجتهم، فعطس ذلك الرجل من ساعته، و وجد خفّة في بدنه، و راحة في حواسّه، و صحة في جسمه، و قوة في نفسه. فشكر له و جزاه خيرا و قال له: هل لك من حاجة أقضيها لك مكافأة لما اصطنعت إلي من الإحسان في مداواتك لي؟
فقال: نعم، تعينني على مداواة أخ من إخوانك. قال: سمعا و طاعة لك.
فتوافقا على ذلك، و دخلا على رجل آخر ممن رأيا أنه أقرب إلى الصلاح، فخلوا به من رفقائه و داوياه بذلك الدواء، فبرأ من ساعته. فلما أفاق من دائه جزاهما خيرا و بارك فيهما و قال لهما: هل لكما حاجة أقضيها لكما مكافأة لما صنعتما إلي من الإحسان و المعروف؟ فقالا: تعيننا على مداواة أخ من إخوانك. فقال: سمعا و طاعة لكما. فتوافقوا على ذلك، و لقوا رجلا آخر، فعالجوه و داووه بمثل الأول فبرئ و قال لهم مثل قول الأوّلين، و قالوا له مثل ما قال الأول.
ثم تفرقوا في المدينة يداوون الناس واحدا بعد آخر في السر، حتى أبرؤوا أناسا كثيرا، و كثر أنصارهم و إخوانهم و معارفهم، ثم ظهروا للناس و كاشفوهم بالمعالجة، و كابروهم بالمداواة قهرا، و كانوا يلقون واحدا واحدا من الناس، فيأخذ منهم جماعة بيديه و جماعة برجليه، و يسعطه الآخرون كرها، و يسقونه جبرا حتى أبرؤوا أهل المدينة كلهم.
[١] -سعطه الدواء: أدخله في أنفه ليعطس.
[٢] -الدخنة: ذريرة تدخّن بها البيوت.