رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٣٢ - فصل
علما، و أكثرهم امّة، و أعظمهم على الناس نعمة، و أنطقهم بالصدق، و ألزمهم لمنهاج الحق.
فإذا تحققت هذه الآراء في نفس واضع الشريعة، و تصوّرها في فكره كأنه يشاهد يقينا لا شكّ فيه، دعا عند ذلك إليها أهل دعوته الذين أرسل إليهم، و يجتهد في إنبائهم ما قد اعتقده بالتصريح عنها للخواصّ من أهل دعوته في السر و الإعلان، غير مرموز و لا مكتوم، ثم يشير إليها و يرمز عنها عند العوامّ بالألفاظ المشتركة، و المعاني المحتملة للتأويل بما يعقلها الجمهور و تقبلها نفوسهم.
فمن فهم تلك المعاني و تصوّر حقائق تلك الأمور التي أشار إليها واضع الشريعة، و تيقّن بها، و دام بعد نصرتها مجتهدا في معاونته، محتملا للضيم، صابرا في السّر أو الضّر، طلبا لمرضاة اللّه تعالى، سمّاهم واضع الشريعة الصدّيقين و الشهداء و الصالحين، و أبلغ اللّه تعالى في المدح و الثناء عليهم فقال، عزّ و جلّ: «أولئك الذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا».
و إنما سمّاهم الشهداء لمشاهدتهم تلك الأمور الروحانية المفارقة للهيولى، يعني به جنة الحياة و نعيمها، و سمّاهم الصّديقين لتصديقهم لها بالطلب و الاجتهاد من أنفسهم في نصرة واضع الشريعة و معاونته.
فأما من قصر فهمه عن معرفة تلك المعاني، و عن تصوّر تلك الأمور بحقائقها، فأقرّ بما أخبره واضع الشريعة، و صدّقه على ما قال، و قام معه بنصرته مجتهدا في معاونته، صابرا تحت أمره و نهيه، سمّاهم واضع الشريعة المؤمنين، و مدحهم اللّه تعالى و أثنى عليهم من جهة إيمانهم بما أخبرهم، و تصديقهم له و اجتهادهم معه في نصرته و معاونته فقال: «وعد اللّه المؤمنين و المؤمنات» الآية.
و أما من أقر بلسانه و شك فيما قال بقلبه، سمّاهم المسلمين، و ذمهم اللّه تعالى فقال: «قالت الأعراب آمنّا، قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا» و قال: