رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٩٧ - فصل
فلما أصبح، تصدّق بجميع ماله، و أعتق كلّ عبد له و لبس المسوح، و كان طول نهاره صائما، و سهر ليله قائما، مجانبا للناس، لا يكلّمهم أحدا، بل يصلي نهاره باكيا حزينا، زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة، حتى فشا خبره في الناس، و تسامعت به المدينة و البلاد، فقصده الناس من الآفاق يسألونه رؤياه، و يسمعون تأويله، و يتّعظون به.
ثم صار، بعد ذلك، يتكلم على الناس في المجالس بالحكمة و الموعظة، و يضرب لهم الأمثال، و يدلهم على طريق الآخرة، و يرغّبهم في ثواب الجنّة، و يزهّدهم في غرورها و أمانيها، و يحذّرهم الاغترار بها. فقيل له: من أين لك هذه الحكمة و الموعظة، و أنت لم تكتب الحديث، و لم تسمع الأخبار، و لم تقرإ الكتب؟ قال: أجد قلبي كالمرآة تتراءى فيه حقائق الأشياء، و أجد لساني يجري على الصواب، من غير تكلف مني، و أجد نفسي كالترجمان تسمع من وراء الحجاب، و تعبّر و تؤدّي إلى أبناء جنسي مما تسمع بلا تصنّع مني. فعلم، عند ذلك، أنه مؤيّد بملك من الملائكة، يلهمه بإذن اللّه، جلّ ثناؤه. ثم صار ذلك الرجل قدوة في الدين لأهل زمانه.
فبينما هو يوما في محفل، و الناس حوله يسألونه عن أمر الدين، و هو يفتيهم، و الناس ما بين مستمع مصدّق و شاكّ و متعجب منه، كيف كان بالأمس أرغب الناس في الدنيا، قدوة لطالبي الشهوات، و كيف هو اليوم في أمر الدين إمام لطالبي الآخرة، إذ وقف في المجلس رجل من أولئك الجيران الذين دخلوا عليه يعودونه، فرأى ذلك الناسك في مجلسه يسائله عن مسائل من أمر الدين، و يستوصف منه طريق الآخرة، فدنا منه و قال له شبه المتعجب: هذا صاحبك الذي فسّرت منامه، و وصفت دواءه، و أنت اليوم تسائله عن أمر الدين و طريق الآخرة؟! قال: نعم، و لكن قد جاءه من العلم ما لم يأتني، و قد قبل نصيحتي أمس، فنفعته اليوم، و أنا أقبل منه اليوم ما عسى أن ينفعني غدا. و كانت وصفتي له أمس تعليما بشريّا،