رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٩٥ - فصل
صحيحا، و يرجع إلى اللّه و يتوب مما قد سلف، و يتصدّق بشطر من فضول ماله على الفقراء، و المساكين، و يلبس من خشن الثياب ما يواري العورة، و يصوم في كل أسبوع يومين، و يمشي إلى المساجد خاضعا، و يتفقه في الدين، و يستعمل القرابين، و يصلي في ظلمة الليل، و يستغفر في الأسحار، و يسأل اللّه تعالى أن يكشف ما به، و إنه تعالى يفعل ذلك إن شاء.
فقام القوم من ساعتهم، و دخلوا عليه، و عرّفوه بما أصابه، و بما هو خائف مترقّب له، ثم أخبروه بما قال الناسك. فقال لهم: من أين لكم هذا التأويل، و من وصف لكم هذه الرؤيا؟ فقالوا: أخبرنا العالم في الدين، الناصح الذي لا نشكّ فيما قاله. فقبل قولهم، و جمع جماعة من العلماء و الفقهاء، و أهل الدين، فأخبرهم بما قيل له. فقالوا: حقّا ما قيل، و صوابا ما وصف.
فسألهم، عند ذلك، عن التوبة النّصوح كيف تكون، و عن فقه الدين، و طريق الآخرة، و أمر المعاد، و صفة الجنان، و ثواب الأخيار، و أين يكون منقلب الأشرار؟ فوصفوا له ما هو مذكور في كتب الأنبياء، :، فقبل ما قالوه، و فعل ما أمروه، بين شكّ و يقين، و خوف و رجاء.
فلما كان، في الأسبوع الآخر، مثل ذلك اليوم، صام نهاره، و تصدّق عند إفطاره، و أكل يسيرا من الطعام، و قام يصلي ليلته. فلما كان، من ذلك الوقت، و هو ساجد، إذ غلبه النوم، فرأى في منامه كأنه في تلك البريّة بعينها، و قد اخضرّت من العشب و الكلإ، و قد تفتّحت أزهار الرياحين، و فاح نسيمها. فإذا هو على رأس قمّة عليها عين من الماء الزّلال، و كأنه قد اغتسل من مائها، فتناثر عن بدنه ذلك الشعر و الدّرن، و قد ألبس ثيابا جددا، تفوح منها رائحة الطيب. و إذا هو بشخصين قائمين أمامه، كأنهما صورتان من النور تشفّ أبدانهما، عليهما زيّ الجمال و محاسن