رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٨٦ - فصل
و هي آلات لها و أدوات يظهر بها بعض أفعالها، و لكن لها أفعال أخر لا تحتاج فيها إلى أدوات جسدانية و لا آلات جسمانية، و هي رؤيتها المنامات و عجائب تصاريفها فيما يرى أكثر الناس من الرجال و النساء و الصبيان و الجهّال و العلماء و الأخيار و الأشرار جميعا ما لا يرون في حال اليقظة مثلها.
فصل
من ذلك ما ذكر أن ابن ملك وقع في أيدي عدوّ له، فاستعبده و كلّفه الخدمة الشديدة و الأعمال الشاقة، مع قلّة المطعم و المشرب، و العري، و الضرب، و الشتم، و الاستخدام، حتى ذهبت قوته و هرم شبابه، و نحل جسمه، و ضعف سمعه، و كلّ بصره، و استرخت مفاصله، و عقل لسانه.
ثم حبسه في مطمورة ضيقة، و طال حبسه، و اشتدّ جوعه و عطشه، و غمّه و حزنه، حتى غشي عليه من الجهد و البلوى و الضّرّ الذي هو فيه. فبينما هو ذات ليلة مفكّر فيما هو فيه من العناء و الشقاء و الجهد و البلوى، فنام و رأى، فيما يرى النائم، كأنه في دار مملكته على سرير عزه، و قد رجعت إليه أيام شبابه و قوة بدنه، و طراوة جسمه، و صحة حواسّه، و نشوة شهواته.
و إذا هو في بستان من البساتين التي كانت له، كثيرة الأشجار تحتها الأنهار تجري، و على حافاتها رياحين و زهر و نور يفوح منها مثل نسيم الجنان. و إذا هو بفتيان شبان أتراب إخوان كانوا له، من أولاد الملوك، عليهم لباس الجمال، و هم قعود على كراسي موضوعة على تلك الأنهار، و بأيديهم التحف يحيّي بعضهم بعضا بالسلام. فلما رآهم و رأوه عرفهم و عرفوه، و استبشروا به لطول غيبته عنهم، و فرح بهم لبعد غربته منهم. فرفع في صدر المجلس، و أقبلوا عليه بالتحية و السلام، و داخله من الفرح و السرور و اللذّة ما لا يوصف و لا يقال.