رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٨ - الفصل الأول في الحث على تهذيب النفس و إصلاح الأخلاق
تسمعها. فإذا جاءت سكرة الموت التي هي مفارقة النفس الجسد و ترك استعمال الجسم، و فارقته على كره منها و بقيت عند ذلك فارغة من استعمال البدن و إدراك المحسوسات، تراجعت إلى ذاتها لتنهض فلا يمكنها النهوض من ثقل أوزارها و من أعمالها السيئة و عادتها الرديئة، كما قال اللّه تعالى: «يحملون أوزارهم على ظهورهم». فعند ذلك يتبيّن لها أنها قد فاتتها اللذات المحسوسات التي كانت لها بتوسّط البدن، و لم تحصل لها اللذات المعقولات التي في عالمها، فعند ذلك تبين لها أنها قد خسرت الدنيا و الآخرة، و ذلك هو الخسران المبين، و قد انقضى.
الفصل الأول في الحث على تهذيب النفس و إصلاح الأخلاق
و أما الخلّة الأخرى التي هي استقامة الطريق، فإن كل قاصد نحو مطلوب من أمور الدنيا فإنه يتحرّى، في مقصده نحو مطلوبه، أقرب الطرقات و أسهلها مسلكا، لأنه قد علم أنه إن لم يكن له طريق قريب، فإنه يبطئ في وصوله إلى مطلوبه، و أيضا فإنه إن لم يكن الطريق سهل المسلك فربما يعوق البلوغ إليه أو يتعب في سلوكه. و إن أقرب الطرقات ما كان على خط مستقيم، و أسهلها مسلكا هو الذي لا عوائق فيه، فهكذا ينبغي أيضا للقاصدين إلى اللّه تعالى بعد تصفية نفوسهم، و الراغبين في نعيم الآخرة في دار السلام، و الذين يريدون الصعود إلى ملكوت السماء و الدخول في جملة الملائكة، أن يتحرّوا في مقاصدهم أقرب الطرقات إليه، كما قال اللّه تعالى: «أولئك تحرّوا رشدا». و قال سبحانه: «إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به».
و قال تعالى: «قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم». و نحن نريد