رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧٤ - فصل في ماهية القضاء و القدر و الرضاء بالقضاء
طيّبة به نفسه راضيا بحكم الناموس. ثم قال: من تهاون بالناموس قتله الناموس.
و كان قد انقاد قبل سقراط للمقادير أحد بني آدم إذ قال له أخوه قابيل:
لأقتلنّك! قال له هابيل: «لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا باسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف اللّه» إلى قوله: «أن تبوء بإثمي و إثمك».
فرضي بقضاء اللّه الذي هو علمه السابق بالكائنات قبل كونها، فانقاد للمقادير التي هي موجبات أحكام النجوم طيّبة بها نفسه. و مثل ذلك أن رضي المسيح بقضاء اللّه و انقاد للمقادير و سلم ناسوته إلى اليهود طيّبة به نفسه، راضيا بحكم اللّه الذي هو علمه السابق بالكائنات قبل كونها، إذ لا يكون شيء بخلاف ما علم. و مثل ما رضيت به السّحرة بقضاء اللّه لما هدّدهم فرعون بالصلب فقالوا له: «اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا». و ذلك أن القوم قد علموا بأنه ليس له سلطان على نفوسهم إنما سلطانه على أجسادهم فقالوا:
«إنّا آمنّا بربنا ليغفر لنا خطايانا». فانقاد القوم للمقادير و سلّموا أجسادهم إلى حكم فرعون طيّبة بها أنفسهم. و مثل ما رضي رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم، يوم أحد لما قتل خيار أنصاره، و فضلاء المهاجرين، و كسرت رايته، و جرى عليه من المقادير الفلكية ما جرى! قيل: يا رسول اللّه، لو دعوت اللّه على المشركين بالهلاك لما فعلوا بك؟ فقال: رحم اللّه أخي نوحا فإن غوغاء قومه ضربوه، و كان يقول: اللّهم لا تؤاخذ قومي فإنهم لا يعلمون! و أنا أقول: اللّهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. و لما بلغ الخبر إلى المدينة ذلك اليوم بما جرى عليه و على أصحابه خرج أهل المدينة يتعرّفون أخبار إخوانهم، فخرجت امرأة من الأنصار تسأل عن زوجها فقيل لها استشهد، فسألت عن أبيها فقيل لها مثل ذلك، فسألت عن أخيها فقيل لها مثل ذلك، فقالت: أ ليس قد سلم رسول اللّه؟ قالوا: نعم، فقالت:
في بقائه عوض عن الكل. و مثل رضا عثمان بن عفان لما دخلوا عليه ليقتلوه،