رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٦ - الرسالة الثانية من العلوم الناموسية و الشرعية في ماهية الطريق إلى الله عز و جل(و هي الرسالة الثالثة و الأربعون من رسائل إخوان الصفاء)
و منذرين و أنزل معهم الكتاب» ثم قال: «و اللّه يدعو إلى دار السلام و يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم».
و اعلموا أيها الإخوان، أيدكم اللّه و إيانا بروح منه، أنه لا يمكن الوصول إلى هناك إلّا بخلّتين: إحداهما صفاء النفس، و الأخرى استقامة الطريقة.
فأما صفاء النفس فلأنها لبّ جوهر الإنسان، فإن اسم الإنسان إنما هو واقع على النفس و البدن. فأما البدن فهو هذا الجسد المرئيّ المؤلف من اللحم و الدم و العظام و العروق و العصب و الجلد و ما شاكله، و هذه كلها أجسام أرضيّة مظلمة ثقيلة متغيّرة فاسدة. و أما النفس فإنها جوهرة سماوية روحانيّة حيّة نورانية خفيفة متحركة غير فاسدة علّامة درّاكة لصور الأشياء، و إن مثلها في إدراكها صور الموجودات من المحسوسات و المعقولات كمثل المرآة، فإن المرآة إذا كانت مستوية الشّكل مجلوّة الوجه، تتراءى فيها صور الأشياء الجسمانية على حقيقتها؛ و إذا كانت المرآة معوجّة الشكل، أرت صور الأشياء الجسمانية على غير حقيقتها، و أيضا إن كانت المرآة صدئة الوجه، فإنه لا يتراءى فيها شيء البتّة.
فهكذا أيضا حال النفس، فإنها إذا كانت عالمة و لم تتراكم عليها الجهالات، طاهرة الجوهر لم تتدنّس بالأعمال السيّئة، صافية الذات لم تتصدّأ بالأخلاق الرديئة؛ و كانت صحيحة الهمّة لم تعوجّ بالآراء الفاسدة، فإنها تتراءى في ذاتها صور الأشياء الروحانية التي في عالمها، فتدركها النفس بحقائقها، و تشاهد الأمور الغائبة عن حواسّها بعقلها و صفاء جوهرها، كما تشاهد الأشياء الجسمانية بحواسّها، إذا كانت حواسّها صحيحة سليمة. و أما إذا كانت النفس جاهلة غير صافية الجوهر، و قد تدنّست بالأعمال السيئة أو صدئت بالأخلاق الرديئة أو اعوجّت بالآراء الفاسدة و استمرت على تلك الحال، بقيت محجوبة عن إدراك حقائق الأشياء الروحانيّة، و عاجزة عن الوصول إلى اللّه تعالى، و يفوتها نعيم الآخرة كما قال اللّه تعالى: «كلّا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون».