رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٨٧ - فصل
كلها و التمهر فيها، و طيبة النفوس و سلامة القلب، و التسليم لما يكون، و قلّة الجزع و الخوف مما لا بد منه و من كونه استدفاع بالدّعاء و التضرّع إلى اللّه تعالى و الخوف منه وحده لا شريك له.
و لعل كثيرا ممن يقف على رسائلنا هذه يظن أن مرادنا في وضعها هو تعليم علم النجوم، و لعمري إن ذلك من أحد أغراضنا فيها، لأننا نحبّ لإخواننا، أيّدهم اللّه، أن يقفوا على جميع العلوم و يتعلموها و لا يجهلوها، إذ كان مذهبهم هو النظر في جميع العلوم و استقراؤها كلها و الإحاطة بمعرفة ظواهرها و بواطنها، و أكثر أغراضنا فيما وضعنا من رسائلنا كلّها توحيد اللّه، عز اسمه، و تنزيهه عمّا نسبه إليه الجاهلون عن معرفته، الحائدون عن محجّته و المعرفة بما خلق من خليقته و أبدع من صنعته، فإن الأشياء كلها مربوطة بعضها ببعض، محتاجة بعضها إلى بعض. و قد ظن كثير من الناس ممن سمع ذكر السحر و السّحرة و أن من السّحرة قوما يحيلون الصّور عما هي عليه مصوّرة إلى صورة أخرى، و ذلك لما رأوا صور درجات الكواكب و نوبهراتها في البيوت القديمة الباقية من عهد الحكماء الأوّلين المتقدمين من القرون الخالية و الأمم الماضية. فلما رأوا ذلك ظنّوا بفساد ظنونهم أن تلك الصور المصوّرة و الخطوط المسطورة هي مما كانوا يعملون به من السّحر، و أنهم كانوا ينزلون به الطير من الهواء، و يستخرجون به السمك من قعر المياه بالكلام و الرّقى و العزائم، و أنهم كانوا يسحرون الإنسان حتى يصير حيوانا، و لهم أوهام كثيرة في مثل ذلك فاسدة. و ليس الأمر كما ظنّوا، و لا الحال كما توهّموا، لكنها بالحيل التي عملوها و الفخاخ التي نصبوها و الصنائع التي أحكموها، و هي السحر الموجود في العالم ما دام العالم موجودا إنما هو موجود به. و قد ذكرنا في صدر هذه الرسالة ماهيّة السحر و أقسامه، و ما يختص بكل قوم من الناس و أصحاب كل صناعة، و لو لا خوف الإطالة لأتينا بذكر ما أسرّه أصحاب علم النجوم و الذي به قدروا على ما قدروا من الإخبار بما كان و يكون، و قد أتينا على