رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٨٠ - فصل
قال اللّه مخاطبا للإنسان: «يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم».
و اعلم يا أخي أن المغرور المفتون بالدنيا هو الذي يقول لنفسه إذا رأت العذاب: «يا حسرتا على ما فرطّت في جنب اللّه» و يقول: يا ليت لي رجعة يا ليت لي كرّة، هيهات حقّ القول «لأملأنّ جهنم من الجن و الإنس أجمعين».
«و إن منكم إلّا واردها كان على ربك حتما مقضيّا» فقد بان لك يا أخي بهذا البرهان الفرق بين خليفة اللّه و خليفة الشيطان، و الملك الأرضيّ و الملك السماوي.
و اعلم يا أخي أنه بهذه الصناعة يكون لك معرفة الملوك و الرؤساء و السلاطين و المدبّرين و أتباعهم، و ما يكون من أمورهم و أحوالهم و حال من يعاديهم و يخرج عليهم في زمانهم و يضايقهم في مكانهم، و إذا عرفت ذلك و اطّلعت عليه طابت نفسك بذلك، و سكنت إلى ما علمته و ملت نحو الخليفة الذي عنده الحق و اليقين و استخلفته على نفسك الزكيّة و روحك المضيئة، و إن قدرت عليه و وصلت إليه فقد نجوت و وقفت على الطريق الواضحة و المحجّة اللائحة، و إن عدمت ذلك فاجعل الخليفة على نفسك عقلك و اقبل منه أوامره و نواهيه، و اجتنب الهوى فإنه خليفة إبليس فيك؛ و إياك أن يجتمع عليك الخليفة و المستخلف أعني إبليس بالقوّة و خليفته فيك بالفعل! و ذلك إذا استولت نفسك الحيوانية و قوّتك الشهوانية على النفس الناطقة و القوّة العاقلة فتهلك.