رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥٤ - فصل
مرّة، و لا يظهر للرعية إلّا يوما واحدا، كلّ ذلك تعظيما لأمر الملك، و سياسة لأمر الرعية. فخرجا يطوفان حول المدينة متنكّرين، فبينما هما كذلك إذا هما بضوء من بعيد، فامتدّا نحوه حتى دنوا منه، فإذا هما بمزبلة شبه رابية عظيمة عليها جيف مرميّة، و سماد طريّة منتنة الرائحة، و إذا في أسفلها ثقبة شبه المغارة، و إذا في أقصى داخلها رجل قاعد مشوّه الخلقة على دكة قد أصلحها من بين سماد و رماد تلك المزبلة، و قد فرش تحته من خرق تلك المزبلة شبه بساط، و عليه مدرعة قد خاطها شبه مرقّعة، و في رجليه تبّان[١]، و على رأسه شملة مثل ذلك. و إذا بحذائه امرأة تشبهه في الخلقة و التشوّه عليها كسوات شبه درع و خمار و مقنعة مثل ما عليه من خرق تلك المزبلة. و إذا بين يديهما سراج من خرق فوق آجرّة شبه منارة، و بجنبه جرّة مكسورة فيها درديّ[٢] كالخل و قد مزجه بيسير من ماء، و إلى جانبه سلة خوص فيها طاقات كرفس و كرّاث، و بيد كلّ واحد منهما مشربة مكسورة يغترفان من تلك الجرّة و يشربانها. و إذا على فخذه قصبة قد مدّ عليها خيطا شبه قوس الندّاف و هو ينقر عليها بقضيب في يده و يغني بأبيات غير موزونة خارجة من الإيقاع. و إذا به يذكر في تلك الأبيات حسن تلك المرأة و يصف جمالها و شدّة عشقه لها و إفراط محبته إياها. و إذا بيدها خشبة غربال مكسورة و قد مدّت عليها قطعة جلد غير مدبوغ، جافّة منتنة الرائحة شبه الدفّ، و هي تنقر إذا غنّى هو و ترقّص و تتثنى بين يديه.
و إذا شرب كل واحد منهما سار صاحبه و حيّاه بطاقة من ذلك الكرفس و الكرّاث، و هي تثني عليه بالحسن و الجمال كأنه يوسف الصّدّيق و تسميه شاهنشاه: ملك الملوك، و هو يسميها كدبانويه: سيدة النساء. و يشرب
[١] -التبان: سراويل صغير بمقدار شبر يستر العورة يكون للملاحين و المصارعين.
[٢] -الدردي: ما يبقى في أسفل الزيت.