الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٤٨ - العمل وشروطه
صحيحة دون الرجوع إلى هذه الملاحظة، كما لا يمكن تقويم إمكانياتهما المتباينة في رسم تحولات المستقبل وآفاقه.
وعليه فإن العدالة احتفظت بمكانتها في النظام الفقهي والكلامي للشيعة على عكس أهل السنّة، ورغم أن الشيعة قلما استطاعت تحقيق العدالة في الميدان الاجتماعي العملي إلا أنها بقيت حساسة تجاه هذا المفهوم الذي ظل على الأقل طموحاً تفكر به. والحق أنه لا يلاحظ مثل هذا التيار بين أهل السنّة، وإذا وجد فهو ناجم بشكل رئيسي عن الميول الشيعية لهم في مقاطع زمنية محددة[١].
يوضح علي الوردي هذه النقطة بصورة جيدة ويقول: «إن التشيّع في وضعه الراهن أشبه بالبركان الخامد، وكان ثائراً ثم خمد على مرور الأيام وأصبح لا يختلف عن غيره من الجبال الراسية إلا بفوهته والدخان المتصاعد منه، والبركان الخامد لا يخلو من الخطر رغم هدوئه الظاهر، إنّه يمتاز عن الجبل الأصمّ بكونه يحتوي في باطنه على نار متأججة لا يدري أحد متى تنفجر مرة اخرى»، ومضى يقول: «إن عقيدة الإمامية التي آمن بها الشيعة جعلتهم لا يفترون عن انتقاد الحاكم ومعارضتهم والشغب عليهم في كل مرحلة من مراحل تاريخهم الطويل، وهم يرون كل حكومة ظالمة طاغية غاصبة مهما كان نوعها، ولا تتصف بالشرعية إلا إذا تولى أمرها إمام عادل أو معصوم من آل علي بن أبي طالب (ع)، وعلى أساس ذلك كانوا ثورة متصلة لا يهدؤون ولا يفترون ويقيسون كل حاكم بما عندهم من مقاييس الإمامة المعصومة ويرونه ناقصاً وغاصباً، وأدت هذه العقيدة إلى استفحال العداء بين الشيعة والفئات الحاكمة منذ فجر الإسلام وحتى عصرنا الحالي واتهموهم بالزندقة والإلحاد والرفض لهذا السبب، وأصبحت صفة الرفض تؤدي ضمناً معنى الرفض للدين والدولة معاً، ولكثرة ما مرّ عليهم من الاضطهاد والتعذيب كانوا
[١] - من العقيدة إلى الثورة: ١/ ٢٦.