الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٢ - الحركات الدينية في العصر الحاضر
أذعنت أخيراً لسيطرة هذه الثقافة، أو اختارت نوعاً من الحياة المسالمة معها. بمعنى أنها تكيفت مع الوضع السائد بسحق مبادئها واصولها، ذلك لأنها لم تكن تستطع البقاء ومنع ردة أبنائها وأتباعها سوى عن هذا الطريق[١].
ومن بين الأديان المختلفة برز الإسلام كدين وحيد استطاع أن يصرّ ويتمسّك بمبادئه، ويفلت من قبضة المدنية الجديدة، وينهض بأعباء المجابهة المباشرة ليحفظ سلطته في نطاق مناطق انتشاره على الأقل، وهي سلطة عرّضتها المدنية الجديدة وأنصارها إلى الطرد أو التحجيم على أقل تقدير. وما الأحداث التي مرّت بهذا الدين وجهوده والمقاومة التي أبداها خلال العقد الأخير بل القرن الأخير إلا تحقّق اجتماعي وسياسي لهذا الإصرار والمجابهة، وهذا يعود إلى ذات الدين نفسه؛ إذ أن الهيكل الداخلي لهذا الدين ملتحم بشكل يدعو معتنقيه لبذل سعي دؤوب لتحقق ذاته وطرد ما هو غريب عنه. فالمسلم مكلّف بالتزام مبادئه طالما كان مسلماً، إذ أن عقيدته وفلاحه الاخروي وعزّه الدنيوي كلها تقتضي منه العمل بهذا الالتزام باعتباره ضرورة دينية واعتقادية، وفريضة يستحيل تغييرها. ورغم ما قد يؤدي إليه ضعف الإيمان، أو الظروف الاجتماعية غير المناسبة من التخلّف عن العمل بهذه الفريضة قصرت المدة أو طالت إلا أنه لا يمكن أن تُنسى بالكلّية وإلى الأبد، فما دام الإسلام موجوداً وكان هناك من يعتنقه فإن هذه الفريضة موجودة، والاحتمال قائم أيضاً باتخاذ موقف من الوضع السائد وفتح جبهة للوقوف بوجه الدعوة إلى التذويب.
خلاصة القول: إن معارضة هذا الدين لكل ما هو غريب عنه نابعة من طبيعة الدين وذاته، وليست عارضاً مؤقتاً أو فورة عابرة. ورغم ما لمجموعة الظروف الخارجية في بروزها وكيفية ظهورها من دور أساس، إلا أن العامل
[١] - حول الإجراءات المسيحية في هذا المجال انظر مثلًا:
Vatican Council II, the Conciliar and Post Conciliar Documents, pp. ٣٠٩- ١١٩.