الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٨٠ - الفهم التاريخي لدى عبد الرازق
فالسياسة التي حكمت مصر إبّان عهد ناصر وقبله والسياسة الحاكمة على كل العالم العربي آنذاك واليوم تستند إلى إشاعة مفهوم القومية العربية وتقديسها، فقد رحّب الناصريون واليساريون العرب بعلي عبد الرازق لكونه حارب بعض التقاليد القديمة أو الرجعية على حد تعبيرهم، لكنهم كانوا لا يستأنسون لانتقاداته للتاريخ والتراث الماضي، فعارضوه وعارضوا من يفكر على طريقته؛ لأنهم كانوا يستهدفون إبراز الماضي على أفضل صورة ممكنة[١].
اجتماعياً لم يكن المؤلف أوفر حظاً من الناحية السياسية في النفوذ إلى أفكار الرأي العام، فقد أصبح عرضة لكُره المتدينين التقليديين الذين كانوا يشكلون الأكثرية في المجتمع، بل حتى الشباب الملتزم الثائر في الفترات اللاحقة، والذين كانوا يحملون أفكاراً وعقائد معارضة بشدة للمتدينين الذين عاصروا تأليف الكتاب، لأنه كان يعتقد بفصل الدين عن السياسة، وإلا فإن السياسة ستستغل الدين لصالحها وليس العكس، وهذه النظرية كانت تتناقض مع توجهات الشباب ومعتقداتهم، كما أنها كانت تتعارض مع حقائق تلك الفترة ومتطلباتها[٢].
لهذه الأسباب لم يتسنّ له أن يحتل مكانة اجتماعية وفكرية تليق به، ولا يهمنا هنا مستوى مكانته وأسباب تدنّيها بقدر ما تهمنا نظرياته التي كان لها حظ
[١] - عن ترحيب اليساريين والليبراليين بكتاب عبد الرازق راجع: الإسلام والخلافة في العصر الحديث: ٩٢١. فقد وصفوا هذا الكتاب بشتى المواصفات واعتبروه أهم كتاب إسلامي في التاريخ السياسي لمصر وأنه كتاب أجج ناراً لم تُطفأ وغير ذلك.
وبلحاظ المستجدّات التي شهدها العالم الإسلامي والعربي في الثمانينات فإن هذا الكتاب أو على الأقل مواضيعه ستطرح ثانية وتلقى الترحيب البالغ، كما حصل أن طبع مرات عديدة خلال السنوات الأخيرة مما لا عهد له بها سابقاً.
[٢] - انظر كمثال: نظام الإسلام لمحمد المبارك: ٥٢٩، وكذا: معالم الخلافة الإسلامية، وبالخصوص الصفحات: ٧١٨٣.