الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٨٦ - خلافة عمر
رأسهم أبي بكر، أما الآخران فهما عمر وأبو عبيدة الجراح، والطريف أن عمر وفي اللحظات الأخيرة من حياته أخذ يتأسف على وفاة أبي عبيدة وهو يريد أن يوصي بمن يخلفه، وقال: إنّه لو كان حياً لوضعه موضعه[١].
بطبيعة الحال لعبت خصائص عمر الذاتية دوراً مهماً، إذ كان على معرفة كافية بالعرب ويعلم كيف يقودهم، كما كان قادراً على تشخيص الضرورات بدقة، فجاء أول كلام له حين استخلف: «إنما مثل العرب مثل جملٍ أنفٍ اتّبع قائده، فلينظر صاحبه أين يقوده. أما أنا، فوربِّ الكعبة لأحملّنكم على الطريق»[٢].
الأهم من ذلك أنّ عمر استلم الخلافة في وقت كان المجتمع بحاجة ماسّة إلى من يتصف بمواصفات كمواصفاته، ولو كان قد تبوء الخلافة قبل هذه الفترة أو بعدها لواجه الفشل دون ريب، أو على الأقلّ لم يكن يحظى بالمكانة التي احتلّها، إذ حالفه الحظّ حينما وصل السلطة في اللحظة المناسبة، وأمسك بزمام الامور في مرحلة انسجمت تماماً مع خصائصه الفكرية والأخلاقية، فلم يكن عمر يستطيع أن يحكم بغير النمط الذي حكم به، وقد جاء حكمه كنتيجة طبيعية لتحقق خصائصه وصفاته، فقد انسجمت طبيعته مع روح زمانه وكانت سياسته إفرازاً لطبيعته، ولهذا تطابقت مع حاجات زمانه، ولم تترك طبيعته القاسية المتشددة مجالًا للمناورات السياسية التي لم يكن المجتمع الإسلامي في الأساس بحاجة لها يوم ذاك،
[١] - لما أراد عمر أخذ البيعة من علي( ع) لأبي بكر مارس عليه ضغوطاً حتى قال( ع):« احلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً». الإمامة والسياسة: ١/ ١١.
وقال عمر عندما أراد تعيين الخليفة من بعده:« لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح باقياً استخلفته وولّيته». نفسه: ٢٣. ومن الطريف: أنّ أبا عبيدة كان أول من ذكره عمر من الماضين وتأسّف على موته.
[٢] - من اصول الفكر السياسي: ٣٤٧.