الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٥٧ - الإسلام والمسيحية والمدنية الجديدة
أضافوه عليه.
بالطبع فإنّ الإسلام شأنه شأن أيّ دين آخر علقت به على طول التاريخ زوائد كثيرة، وشاعت تحليلات وتفاسير للكثير من الاصول والمفاهيم تناقض ما أراد به الإسلام، وقد هبّ الكثير لتطهيره من هذه الزوائد وإصلاح هذه التحليلات الخاطئة وتعريفه كما هو في الأصل، ولكنّ هذا غير الإصلاح الذي شهدته المسيحية أو الأديان الاخرى الذي اقتضاه التاريخ والمدنية الحديثة التي كانت ترغب بالتجزئة والتراجع، لا إصلاح الأديان وتطهيرها، وترغب في أن يضع الدين جانباً كل دعواته غير الفردية ويرفع يد الاستسلام لها، وكان باستطاعة المسيحية والأديان الاخرى سوى الإسلام أن تستجيب إلى حدٍّ كبير إلى هذه الرغبة.
أما دعوات الإصلاح التي صدرت من بعض المسلمين تحقيقاً لمثل هذا الهدف فقد واجهت الفشل عاجلًا أم آجلًا. وما حركة العودة إلى الأصالة إلا دليل ناصع على هزيمة الأفكار والحركات الإصلاحية التي كانت تتابع مثل هذا الهدف وتدعو إليه، وأسباب هذه الهزيمة اعتقادية قبل أن تكون سياسية[١].
[١] - لم تقتصر القضية خلال القرن الأخير على أنّ التقدميين وحملة الأفكار الجديدة انتفضوا استلهاماً من النهضة البروتستانتية أو دون ذلك للقيام بحركة مماثلة، فالأهم من ذلك أنّ بعض هؤلاء الأفراد جرى إبرازهم من قبل مجموعة من الجماهير كما حصل مع لوثر، وقالوا: إنهم سيحقّقون النصر كما حقّقه لوثر، ولكن لم يتسنَّ لهم ذلك، ومن أفضل الأمثلة على ذلك علي عبد الرازق، فرغم استناد كتابه" الإسلام واصول الحكم"، على الحقائق التاريخية والعلمية بيد أنّه لم يستطع أن يحقّق شيئاً لتعارضه مع مبادئ أهل السنّة التي لا يمكن لها أن تبلى وتُنسى بمرور الزمان.
ومن المناسب هنا أن ننقل ما كتبته إحدى أشهر المجلات حينذاك" مجلة المقتطف" حول الكتاب ومؤلّفه، حيث تقول:« .. ألّف هذا الكتاب عالم من علماء الأزهر، وهو أيضاً من قضاة المحاكم الشرعية، فعلمه ومنصبه يخوّلانه الكلام على موضوع قلّما يحقّ لغير أمثاله البحث فيه. وقد أطلعنا على بعض ما كتبته صحف الأخبار في انتقاده، فأغرانا ذلك بمطالعته، فذكّرتنا الضجّة التي قامت على مؤلّفه بالضجّة التي قامت على( لوثيروس) زعيم الإصلاح المسيحي، الذي كان لعمله أكبر أثر فيما يرى الآن من الارتقاء الديني والأدبي والمادي في الممالك المسيحية. ونظنّ أنّه سوف يترتب على ما كتبه القاضي علي عبد الرازق في كتابه هذا ... ما ترتب على ما كتبه( لوثيروس) ... لا لأن( لوثيروس) وأنصاره كانوا مصيبين في كل ما قالوه وفعلوه، ولا لأننا نعتقد أنّ كلّ ما قاله حضرة القاضي علي عبد الرازق وأمثاله قرين الصواب وخال من الخطأ، بل لأن قيام بعض المفكرين ووقوفهم موقف الانتقاد والشك يشحذ الهمم ويغري بالبحث والتنقيب، فتزول الغواشي ويصرح الحق. ولم ننسَ كيف قامت القيامة على المرحوم الشيخ محمد عبدة، ثم خمدت رويداً رويداً، إلى أن صار يلقب بالإمام الذي يُقتدى به وينسج على منواله». المقتطف، عدد اغسطس ١٩٢٥ م، ص ٣٣٢. نقلًا من مقدمة محمد عمارة لكتاب: الإسلام واصول الحكم: ٢٤.