الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٥٦ - الإسلام والمسيحية والمدنية الجديدة
من ذلك أنّ اعتبار وحجيّة رأي هؤلاء لا تستحصل من الدين نفسه وإنّما من إجماع المؤمنين؛ إذ أنّ إجماع الكنسيين هو الذي منح هذه المنزلة لآباء الكنيسة والقدّيسين حتى أصبحت آراؤهم جزءاً من القانون والدين.
وقد أبدت كل ديانة ردّ فعل مغاير للديانة الاخرى عملياً إزاء المدنية الجديدة التي كانت منافسة بل مناقضة لهما. فقاومت المسيحية لمدة من الزمن، لكنّ هذه المقاومة عاكست تيّار التاريخ الطبيعي وانهارت أخيراً لأسباب عديدة أهمها دون ريب يرتبط بخصوصية الدين نفسه، هذه الخصوصية التي نمّاها مارتين لوثر وكالون وسائر مؤسّسي البروتستانتية الذين قدّموا تفسيراً آخراً وتغلغلوا وتقدموا رغم كلّ الموانع والصعاب.
أليس هؤلاء هم أنفسهم الذين ادّعوا العودة إلى المسيحية الخالصة الاولى وتهذيبها من كل ما اضيف إليها من قبل الكنيسة ورجالها؟! بهذه الدعوة دخلوا الميدان، وكانت الظروف مناسبة لانتشار مثل هذه الفكرة، ولهذا تجاوزت كل العقبات وانتشرت بسرعة. لكن لا يمكن لمثل هذه الفكرة أن تنتشر في المحيط الإسلامي، فرغم أنّ هناك كثيرين في العالم الإسلامي حاولوا متابعة مثل هذه الأهداف وسلكوا هذا المنهج خلال القرن الأخير لكنّ الفشل كان نصيبهم منذ البداية، أو أنّ النجاح لم يحالفهم في النهاية[١]، والسبب الرئيسي في ذلك كما قلنا هو اختلاف طبيعة الديانتين، فالإصلاح الديني بمعنى التخلّي عن بعض المعتقدات بل والمبادئ ممكن في المسيحية وممتنع في الإسلام، فيمكن للمسيحي أن يكون معتقداً مؤمناً ويضع جانباً الزوائد التي هي ليست من الشارع الأول دون أن يتناقض ذلك مع إيمانه وإخلاصه، لكنّ المسلم المؤمن لا يستطيع أن يفعل هذا الشيء؛ لأنّ كلّ ما هو معتقد به متأتٍّ من ذات الإسلام، وليس علماؤه هم الذين
[١] - توقّع بلانت في كتابه:The Future of Islam ,London ,٢٨٨١ . بأنّ المستقبل للمسلمين الليبراليينIslamic Future ,p .٥٢ .