الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٩٩ - الضغوط والضرورات الجديدة
السنية لم تتجاوز وهي في أقصى درجات ثوريتها والتزامها الديني حدود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قولًا تجاه السلطان المسلم، علماً بأنّ الشخصيات الحرّة الشجاعة من بين صفوف أهل السنّة لم تركع على طول التاريخ لرغبات السلطان، ولم تشترِ سخط الخالق برضا المخلوق، ولم تبع إيمانها بدنياها، ولم تبالِ بترغيب الحاكم وترهيبه ووقفت بصلابة أمامه وأمام رغباته، ونطقت الحق رغم أنف السلطان وتحمّلت في سبيل ذلك المشكلات والصعاب[١].
هذا هو نمط الشخصيات الثائرة من أهل السنّة، إذ كانت تمتلك تلك القدرة الأخلاقية والروحية التي تستطيع أن تقف بها بوجه طلاب الدنيا، بيد أن أجيال العصر الجديد تحتاج إلى شخصيات تقف بوجه الحكم بدوافع دينية وتدعو الامّة إلى أهدافها، شخصيات كالإمام الحسين (ع) وزيد بن علي وسائر الآمرين بالمعروف من الشخصيات المقدّسة عند الشيعة، وليس إلى أفراد كابن حنبل وسعيد بن المسيب وسائر المحدثين الذي تعرضوا في أيام المحنة إلى الضرب والإهانة لكنهم ثبتوا على عقائدهم ولم ينبسوا ببنت شفة[٢].
فقد كان إنكارهم للحاكم قلبياً أو لسانياً في أقصى الحالات وقلما كان يحصل هذا الإنكار اللساني لو كان الهدف انتقاد الحاكم وليس إنكاراً بالعمل لعدم تجويزه. وكما قلنا آنفاً فإن عدم قيامهم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس من قبيل الاعتدال، وإنما ناجم عن عقيدة، ولهذا لم تؤثر تحولات العصر
[١] - كنموذجٍ انظر: الإسلام بين العلماء والحكام: ١١٥١٣٢. لكن المهم هو أن الرأي في مسؤولية عالم الدين يختلف بين الشيعة والسنّة، ويعود هذا الاختلاف إلى موقف الطرفين من الحكام والوقوف بوجه الظلم والجور والفسق والفجور، فمثلًا قارن بين مسؤوليات عالم الدين عند الإمام الحسين( ع) في تحف العقول: ١٧١١٧٢، وعند ابن حنبل في أعلام الموقّعين: ١/ ٩، نقلًا عن كتاب: الردّ على الزنادقة والجهمية لابن حنبل.
[٢] - الأئمة الأربعة: ١٤٠١٨٠، ومناقب الإمام أحمد بن حنبل: ٣٩٧٤٣٧.