الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٥٩ - السلطة والأمن
الأجانب وتقرّ الأمن[١].
يوضح أحمد بن حنبل هذه النقطة جيداً في بيان الوجوب الشرعي لطاعة الحكام، ويقول: «السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فاجتمع الناس عليه، ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي
[١] - الحقّ أن قدرة الخليفة أو السلطان في تعزيز الأمن الداخلي وحراسة الثغور انطوى في السابق على قدر كبير من الأهمية، حتى انبرى الكثير من علماء أهل السنّة لتكريس سلطته كمسؤولية شرعية، لاعتقادهم بأن قوته قوة للإسلام والمسلمين، وهذا بحد ذاته أهم عامل رادع لتطاول الأجانب والكفار على المسلمين. ولهذا السبب بالضبط حظي هارون الرشيد بمكانة خاصة في زمانه وبعده رغم ظلمه وفسقه وفجوره الذي تكشف قصص ألف ليلة وليلة جزءاً يسيراً منه، فقد أصبح برأي الكثير من علماء أهل السنّة مظهراً لعظمة المسلمين واقتدارهم ورمزاً لسطوتهم وقوتهم يستحق التكريم والاحترام، فإنه كان قادراً على الوقوف بقوة بوجه إمبراطور الروم وإرغامه على الطاعة:
« في سنة سبعٍ وثمانين أتاه كتاب من ملك الروم نقفور بنقض الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة ريني ملكة الروم.
وصورة الكتاب: من نقفور ملك الروم، إلى هارون ملك العرب، أمّا بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي كانت أقامتك مقام الرخّ وأقامت نفسها مقام البيذق، فحملت إليك من أموالها أحمالًا، وذلك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضباً حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه، وتفرق جلساؤه من الخوف، واستعجم الرأي على الوزير، فدعا الرشيد بدواةٍ وكتب على ظهر كتابه:« بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين، إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه، لا ما تسمعه». ثم سار ليومه، فلم يزل حتى نازل مدينة هرقل، وكانت غزوة مشهورة وفتحاً مبيناً، فطلب نقفور الموادعة، والتزم بخراج يحمله كلّ سنة ...». تاريخ الخلفاء: ٢٨٨. وعن محاسنه وفضلائه التي تمثل نموذجاً لرأي كبار العلماء فيه، انظر: المصدر السابق: ٢٨٣٢٩٧.