الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٥١ - مسؤوليات الحكومة
السائد حالياً من أن الدولة والحكومة تسهر على خدمة الامّة، فإنها في السابق كانت تسهر على تحقيق الأمن بالدرجة الاولى. فالأمة في العصر الحاضر تطلب الخدمات من الدولة فيما كانت تطلب الأمن الداخلي والخارجي في السابق، وهو طلب متأثر إلى حدٍّ بعيد بتصور الماضين للدولة والظروف السائدة آنذاك، إذ كانت مسؤولية الدولة بالدرجة الاولى حماية أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم، وليس تقديم الخدمات من قبيل الخدمات الصحية والعلاجية والتعليمية والرفاهية وغيرها. فقد أوجدت التحولات المعاصرة تغييراً في مفهوم مسؤوليات الدولة وجعلت من إقرار الأمن أحد تلك المهام وليس أهمها.
لم يكن الوضع على هذه الشاكلة في الماضي، ولا سيما في الشرق الإسلامي الذي كان يفتقد إلى الثبات والاستقرار السياسي، ففي تلك الأيام كانت كلّ الأشياء والقيم تختزل في الأمن الذي كان مطلوباً من السلطة أن تحققه. وإذا نظرنا إلى المسألة بلحاظ ظروف الماضي لا العصر الحاضر لاتضح لنا أنه من أعظم النعم أن تستطيع السلطة أن تقدم لرعاياها الأمن، وتتجلى أهمية هذا الموضوع ومدى قلق فقهاء السنّة ومتكلميهم حياله لو علمنا أن كل شيء كان يتحقق في ظل هذا الأمن من حفظ الشعائر والحدود والأحكام الدينية إلى الأموال والأنفس والأعراض، فقد كانت الحكومة برأيهم تحفظ الناس ودينهم وتؤمّن المصلحة الدنيوية والاخروية معاً.
واعتبر كبار أهل السنّة الذين صنفوا أو تطرقوا إلى موضوع الإمامة والخلافة أنّ حفظ الأمن وإقراره من أولى مهامّ الحكومة ومسؤولياتها، وحظي هذا الموضوع بحساسية علماءٍ كبار من الاتجاهات كافة، متصوفين كالغزالي[١]،
[١] - الاقتصاد في الاعتقاد: ١٩٧٢٠٦، وكذا: فاتحة العلوم: ١١.