الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢١٩ - تزوير الحديث
الجبري الذي أشاعه الامويون إلا أنها تعتبر من تبعاته؛ لأنها ساعدت على انتشار هذا الفكر وتعزيزه، فالأحاديث التي تطرقت إلى المشيئة الإلهية في ممارسات الحاكم وأوامره وضعت الحاكم في موقع محصّن من الانتقاد دون الحاجة إلى إحاطته بمنزلة دينية تمنحه مثل هذه الحصانة. ولم توضع الأحاديث التي تناولت وجوب طاعة الحاكم وحرمة نقض بيعته والخروج عليه إلا لتثبيت هذا الموقع.
من هذه الزاوية نظر عامة كبار فقهاء أهل السنّة ومحدّثيهم ومتكلميهم إلى الحاكم، وعلى هذا الأساس استندت آراؤهم بوجوب طاعته وحرمة مخالفته وحدود صلاحياته، ومنحوا الحاكم بما هو حاكم الشرعية، وأوجبوا طاعته دون أن يأخذوا بعين الاعتبار من يكون هذا الحاكم؟ وكيف استلم السلطة؟ وما هي عقائده؟ ونوع سلوكه؟ لأن وجوده وسلطانه هو أمر واقع بمشيئة الله[١].
ووجد من بين كبار الفقهاء والعلماء والمتكلمين من سار على غير هذا المنحى، واشترطت نظرته إلى الحاكم بكونه متديناً وعادلًا وشجاعاً وسياسياً وكيِّساً وقرشياً ومجتهداً، إلا أن عدد هؤلاء العلماء كان قليلًا جداً انتهوا بمرور الأيام وانتهت معهم أفكارهم، مثلما انتهى المعتزلة وانطمرت أفكارهم وعقائدهم تحت الأفكار المتحجرة للأشاعرة والسلفية. وقد سطع هؤلاء الفقهاء والمتكلمون شأنهم شأن أقرانهم من المعتزلة في القرون الاولى وفي خضمِّ فترة انفتاح الحضارة الإسلامية وعقلانيتها، لكنهم سرعان ما أفلوا إلى الأبد، ولم تلقَ أفكارهم أيّ اهتمام أثناء حياتهم وبعدها، ولم تتبدل إلى تيار فقهي وكلامي أو سياسي واجتماعي مستقل، ولم تؤثر في البنية الفكرية الدينية السياسية لأهل السنّة. أما الذي أمسك بزمام الامور وفرض سيطرته فهو الفكر العام الذي شكّل التاريخ
[١] - كمثال انظر عقائد ابن حنبل في هذا الباب في: الأئمة الأربعة: ٤/ ١١٩ و ١٢٠، وكذلك مناقب الإمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي: ٤٢٩٤٦٢.