الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ٢٠١ - مسألة القضاء والقدر
والحال كهذه، ما هو العامل الذي يستطيع أن يحقّق هذا الهدف ويحثّ الامّة على الطاعة المطلقة غير المقيدة بشروط؟
كانت مسألة القضاء والقدر أفضل وسيلة يتشبث بها الامويون بلحاظ الأرضية النفسية والثقافية والسوابق التاريخية، ذلك أن عرب الجاهلية كانوا يؤمنون إيماناً راسخاً بالتقدير والمصير، ويعتقدون بأن حياة الإنسان ومصيره خارج اختياره وإرادته، وأن الأحداث التي تمر به تنشأ عما هو مقدر له مسبقاً مما لا دور له في تغيير مسارها.
وكما كانت هذه الفكرة شائعة عند البدو فإنها كانت رائجة أيضاً بين قريش وسكان مكة، بل يمكن تفسير عبادتهم للأصنام من خلال هذه الفكرة، فقد كانوا يعتقدون بآلهة متعددة ويتقربون إليها ويقدمون إليها القرابين لإيمانهم بتأثيرها في حياتهم، وأنها تتدخل مباشرة في جميع أحداث الحياة من الولادة حتى الوفاة: من تعيين جنس المولود، والجفاف والتجارة والربح والغلبة في الحروب والانكسار فيها والمرض والفقر وغيرها دون أن يكون للإنسان أية إرادة فيها[١].
إنّ الثنوية والاعتقاد بالآلهة المتعددة يتناقض مع الإيمان بالحرية ومسؤولية الإنسان، إذ لا معنى لهذه الحرية إذا كانت قوى ماورائية اخرى تتحكّم بكلّ مقدّرات الانسان، فلا يمكنه أن يكون حراً إلا حينما يستطيع أن يحدد مصيره بنفسه أو على الأقل أن يحدد بعض مصيره بنفسه، وإلا فسوف لم يبقَ للحرية مفهوم ومحتوى لو سارت مقدرات الإنسان وتحدّد مصيره على يد آلهة مستقلة.
على أية حال، كان الفكر الجبري شائعاً ومسيطراً على المجتمع الجاهلي، وقد هاجمه القرآن الكريم وانتقده بشدة لأنه يعمل على مسخ الإنسان، وهو انتقاد
[١] - حول مفهوم السببية والحياة العقلية للعرب انظر فجر الإسلام: ٣٠- ٤٩.