الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٧٦ - تخطئة النقد التاريخي
على أية حال، فإن التاريخ إذا لم يكن برأي أهل السنّة جديراً بالفخر فهو لا يستحق الانتقاد، وعلى هذا فإن الشعور التاريخي لديهم أقوى بكثير من الشعور التاريخي عند الشيعة، ذلك أن من يندد بالتاريخ مسبقاً لا يستطيع أن يخصص له منزلة معيّنة. ويرى أهل السنّة التاريخ مجموعة من الأحداث الباعثة على الفخر لكونهم لا ينظرون إلى سلبياته، ويمثّل هذا التاريخ تاريخ الدين وتاريخ العظمة والرفعة وتاريخ الفتوحات والجهاد وتاريخ الفتوة والمروءة وتاريخ العلماء والمفكرين وتاريخ الشعراء والفنانين وتاريخ الثقافة والحضارة، وأخيراً تاريخ الخلفاء والسلاطين الأقوياء العظماء، وحتى تاريخ ألف ليلة وليلة وأساطيرها، اولئك الذين كانوا رمز قدرة الإسلام والمسلمين وسطوتهم وكيانهم[١]. أما الشيعة فانهم ينظرون
[١] - ينظر أهل السنّة إلى التاريخ ولا سيما إلى تاريخ الإسلام والمسلمين بحسن ظن، ويرون أنهم ورثة هذا التراث القيّم الذي يبعث على الفخر، ويرفضون أية محاولة تستهدف النيل منه والطعن فيه. كمثال انظر إلى الردود المختلفة على كتاب" الإسلام واصول الحكم" من خضر حسين إلى ضياء الدين الريّس، حيث تنتقد هذه الردود رؤية الكتاب السلبية على حد تعبيرها للتاريخ. راجع خاصة: الإسلام والخلافة في العصر الحديث: ٢٩٢ ٢٥٠، ومقدمة محمد عمارة على كتاب الإسلام واصول الحكم: ٩٤ ٧١.
وقد استقبل مثقّفو الجيل الجديد بحفاوة هذه النظرة الإيجابية للتاريخ السائدة بين أهل السنّة لأسباب كثيرة، أهمها: الشعور باستقلال الهوية والتحقير الغربي المستمر، وإذعان الغرب لعظمة التراث الإسلامي، وضرورة وجود منصّة للقفز إلى العالم الجديد، وارتباط هذه المباحث مع اللعَب السياسية لأصحاب السلطة. انظر كمثال: التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين. لكن القضية هذه المرة لم تكن مجرد إيجابية النظرة إلى التراث، إنما إبرازه كمَعلَم من معالم الفخر والعظمة، فلم يكن الهدف إماطة اللثام عن التاريخ، لأن هذا كان قد حصل سابقاً، وإنما إثبات عظمته، مما سبّب خللًا فكرياً واعتقادياً؛ لأنهم أصبحوا لا يعلمون ماذا كانوا وماذا هم عليه؟ وما هي قدراتهم ومشاكلهم وماذا يريدون؟
ينقل غرونبام عن جب أحد أكبر المستشرقين المعاصرين في الشؤون العربية هذا الخلل الفكري والذهني بالصورة التالية:« قال جب عام ١٩٤٢ متأسفاً: لم أعثر حتى الآن على كتاب بإحدى اللغات الاروبية وبقلم عربي يستطيع أن يساعد الطالب الاروبي في معرفة جذور الثقافة العربية. بل لم أعثر على كتاب بالعربية يحلل للعرب أنفسهم معنى الثقافة العربية بوضوح». ويضيف:« ويمكن سحب هذا الكلام على غير العرب وفشلهم في تعريف ثقافتهم لأنفسهم وللغربيين أيضاً. صحة هذا الكلام سارية إلى يومنا هذا، وستبقى على ما يعتقد سارية إلى سنوات ... هذه الأهداف الدينية والسياسية والثقافية تعتبر سدّاً أو مانعاً للوصول إلى تحقيق يستهدف تفسير الحضارة الإسلامية. فكلما أراد المسلم في الشرق الأوسط أن يتحدث عن خلفياته أو عن الغرب كان رأيه سياسياً بالدرجة الاولى».
. ١٨٦- ١٨٥, ١٩٤٩, malsI, muabenurG noV. E. G
وانظر أيضاً: تحول وثبات: ١٩٩ ١٧٣.