الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٧٤ - تخطئة النقد التاريخي
للصدر الأول على الرغم من تناقضاته الكثيرة هو تخطئة النقد التاريخي الديني، بمعنى الإذعان بأن مسلمي هذه البرهة كانوا من الأخيار دون التحقيق في ذلك، وقد عمل كل منهم بمسؤوليته التي يستحق عليها الثواب والجنة، ولا يحق لنا الخوض في تفصيلات سلوكياتهم والاستفسار عنها. ولّدت هذه العقيدة وبصورة مباشرة نوعاً من التحفّظ النفسي والاعتقادي حيال صحابة الرسول (ص)، وحينما نشأت هذه الحالة لم تعد محدودة بالصحابة وزمانهم، بل شملت كل التاريخ الإسلامي، وهذا يتناقض مع روح التحقيق والدراسة في مجال تشخيص الصلاحيات الدينية والفصل بين الحق والباطل، وهو ما عبّرنا عنه بالنقد التاريخي الديني.
لم يواجه الشيعي مثل هذا المحظور، فهو ينظر إلى تاريخ صدر الإسلام نظرة انتقادية مثلما ينظر إلى كل التاريخ الإسلامي، وينتقد المسلمين المنحرفين بعد الصدر الأول بنفس الشدة والجرأة التي ينتقد فيها المنحرفين من المسلمين الأوائل، ولهذا لم يكن من المشكل عليه أن ينتقد مثلًا يزيد ومروان وعبد الملك وهشام والمنصور وهارون و المتوكّل والحجّاج وابن زياد وحتى الفقهاء والمحدِّثين من علماء السوء بسبب الأعمال التي اقترفوها، بل يتعدى الأمر عند الشيعي هذه الحدود، لأنه يضع الحقّ والباطل معياراً له، فيستطيع أن يعرض حتى الشيعي على هذا المعيار، فتراه ينتقد شخصية كالشاه عباس، بل وكل الملوك من الشيعة من الديالمة والصفوية والأفشارية والزندية والقاجارية.
بالطبع وكما قلنا فإن كيفية فهم المذهبين لصدر الإسلام ليس العامل الوحيد في تحديد الموقف لكنّه يعتبر أحد أهمّ هذه العوامل وأكثرها تأثيراً. فمن المستحيل أن يَقدِم السني وبدافع ديني على انتقاد ملك كالشاه عباس بين صفوف أهل السنّة، وهذا هو بيت القصيد، حيث يستطيع أي شخص أن يبدي رأيه في مجتمعاتنا المعاصرة، ويمكن لأي كاتب أو طالب أن يشكّك في كلّ المقدسات الدينية، لكن لا يستطيع أي إنسان ملتزم أن يتجاوز الحدود والضوابط الشرعية التي