الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١٤٨ - قداسة صدر الإسلام
رغبة عنه، ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحاً للإسلام وأهله ... والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد النبي (ص)، ولو علمت أنك أضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الامّة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلًا، ولكني قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الامّة تجربة، وأكثر منك سياسة، وأكبر منك سنّاً، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي ....»[١].
يحاول معاوية في رسالته أن يسبغ على نفسه الشرعية بنفس الدلائل التي حصل فيها أبو بكر على الشرعية، ويسعى لبيان أن القضية واحدة لدى كليهما، وأنه حصل على الشرعية على أساس نفس المعايير التي حصل فيها أبو بكر على الشرعية بحيث ينبغي حتى للإمام الحسن (ع) أن يخضع لسلطانه.
يقول محمود صبحي بهذا الشأن: «تُعدّ رسالة معاوية هذه أول تعبير كلامي عن رأي أهل السنّة والجماعة في الخلافة عامة، وفي بيعة أبي بكر خاصة، وقد استطاع معاوية أن يحرز نصراً كلامياً عقائدياً، حين تصدّى ليكون لسان حال جمهور المسلمين من أهل السنّة ... ولقد اغتنم معاوية هذه الفرصة ليظهر بمظهر المدافع عن الخلفاء وكبار الصحابة، وبذلك أصبغ على دعواه في الخلافة صبغة شرعية حين انتقل في دهاء ولباقة من الدفاع عن بيعة أبي بكر إلى مطالبته بالخلافة، فهو لا يطلبها غصباً، ولا يفرضها على الامّة قسراً، وإنما حاله كحال أبي بكر، فهو أضبط للرعية وأحوط للُامة وأحسن سياسة وأكيد للعدو وأطول ولاية وأقدم تجربة وأكبر سنّاً، وهكذا انتقلت دعوى معاوية من المطالبة بدم عثمان في عهد علي إلى إيديولوجية أشدّ خطراً وأبعد أثراً وأقوى دعامة في طلب الخلافة وتثبيت
[١] - نظرية الإمامة لدى الشيعة الإمامية: ٣١٩٣٢٠.