الفكر السياسي عند الشيعة و السنة - مسجدجامعى، محمد؛ مترجم عباس الأسدي - الصفحة ١١٥ - تغيير الحقيقة
للجناح، وإنما كان يفكر بهذه الطريقة حقاً، وينظر إليه الآخرون هذه النظرة لا غير. وحينما يدعو عمر إلى مراقبة سلوكه وتنبيهه على خطئه فقد كان جاداً في قوله، وحينما ينهض الأعرابي من مكانه ويقسم بالله أنّه سيقوّمه بالسيف لو زاغ عن الطريق فإنه يبين في الحقيقة نظرة الناس إلى الخليفة والخلافة.[١]
ولكن جرى تصوير هذه المرحلة فيما بعد بشكل آخر، وزالت عنها تدريجياً الصبغة المادية والإنسانية والدنيوية لتستبدل بصبغة دينية وروحية بل ومقدسة أيضاً، واتخذت مرحلة تاريخ مسلمي صدر الإسلام صورة التاريخ الناصع الذي تحقق فيه الإسلام بتمامه، ولهذا أصبحت هذه المرحلة على طول تاريخ الفترات الإسلامية الاخرى جزءاً من الدين، بل وباتت تفسّر الدين، وحظيت بمنزلة موازية لمنزلة فترة الرسول (ص). ولكن لماذا حصل هذا التحول؟ وكيف؟ وما هي تبعاته؟
بعد أن أمسك معاوية بزمام السلطة، واضطر الإمام الحسن (ع) للسكوت اتخذ معاوية إجراءات أصبحت فيما بعد سبباً لتغييرات مهمة في تاريخ الإسلام وفي فهم المسلمين للإسلام، ورغم أنه كان يستهدف تحقيق أغراض اخرى، إلا أن النتيجة أثّرت بشكل كبير على التكوين الكلامي والفقهي والاعتقادي للمسلمين؛ بحيث لا نبالغ إذا قلنا: إنّه لا يمكن أن نستوعب تحولات فهم المسلمين للإسلام في جميع جوانبه لو لم نأخذ بالاعتبار هذه الإجراءات.[٢]
ففي ذروة سطوة معاوية وقدرته كان له ثمة معارضين مهمين يعرفهم بدقة،
[١] - للخليفة الأول والثاني أقوال كثيرة من هذا القبيل وردت في المصادر التاريخية والروائية المختلفة، راجع: تجريد الاعتقاد وهوامش محمد جواد الجلالي عليه: ٢٥٤ ٢٤١.
[٢] - وقعت إجراءات معاوية موقع التأثير العميق، حتى أصبح لبني اميّة أنفسهم مكانة رفيعة عند الكثير من أهل السنّة؛ لأن قضية الدفاع عن الامويين شكلت جزءاً من الفكر السياسي السني، راجع ضحى الإسلام: ٣/ ٣٢٩.