مصباح الأصول( مباحث الفاظ- مكتبة الداوري) - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٦٤ - القول الثالث
فكما أنّ الموجود الخارجي على قسمين: أحدهما موجود بنفسه، أي لا يحتاج في وجوده الى الغير كالجواهر، و الثاني موجود بغيره، أي يحتاج في وجوده الى الغير كالاعراض، كذلك المفاهيم في عالم الذهن بعضها مستقلّ في التعقّل، كمفاهيم الاسماء بجواهرها و أعراضها على ما تقدّم، و بعضها غير مستقلّ في عالم المفهومية و التعقّل كمفاهيم الحروف، فانّها ليست الّا ربطا بين المفاهيم المستقلّة.
و حيث انّ الاسماء حاكية عن مفاهيمها و موجبة لاخطارها في ذهن السامع سمّيت بالاخطارية، و الحروف لا تكون حاكية بل موجدة للربط في الكلام بين المفاهيم المستقلّة، فسمّيت ايجاديّة.
و لا يخفى أنّ ايجادية الحروف ليست من سنخ ايجاديّة الانشاءات في العقود و الايقاعات، فانّها موجدة بالاعتبار، على ما ذكره المشهور، من أنّ العقود و الايقاعات موجدة للملكيّة أو الزوجيّة و نحوها بالاعتبار، بخلاف الحروف فانّها موجدة للربط في الكلام حقيقة.
و ظهر بما ذكرناه فرق آخر بين المعاني الحرفيّة و الاسميّة، و هو انّ المعاني الحرفيّة مغفول عنها غير ملتفت اليها حال الاستعمال، بخلاف المعاني الاسمية.
و توضيح ذلك: انّك تخبر تارة عن السير الخاص، و تقول: سرت من البصرة الى الكوفة، فالنسبة الابتدائيّة المستفادة من كلمة «من» مغفول عنها، و اخرى تخبر عن نفس النسبة الابتدائية، و تقول: النسبة الابتدائية خير من النسبة الانتهائية، فالنسبة الابتدائية المستفادة من التلفظ بها ملتفت اليها، و النسبة الابتدائية في الكلام الاوّل معنى حرفي، و في الكلام الثاني معنى اسمي.
و منه ظهر وجه التشبيه في كلمات القوم لكلّ أمر غير ملتفت اليه