التسمیات - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٧١
من عمّاله والخطباء لعن أبي تراب ، وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي ، فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضمّ إليه البصرة[٤٠٠] ، فكان
[٤٠٠] جاء في الغارات ، للثقفي (ت ٢٨٣ هـ) عن أبي غسّان البصري : بني عبيدالله بن زياد ـ لعنه الله ـ مساجد بالبصرة تقوم على بغض عليّ (عليه السلام) والوقيعة فيه : مسجد بني عدي ، ومسجد بني مجاشع ، ومسجد كان في العلافين على فرضة البصرة ، ومسجد في الأزد (الغارات ٢ : ٥٥٨) .
تأمّل في النصّ لترى قيام المساجد الأربعة في البصرة على الوقيعة في عليّ(عليه السلام) ، وهي سياسة بعض الحكّام في البلدان الإسلامية اليوم أيضاً ، وقد قال لي أحد أئمّة هذه المساجد : كلاّ إنّ الحكومات لا تنهانا عن الرواية عن علي لكنّنا نرجح الرواية عن غيره كي لا نرمى بالتشيع .
انظُرْ إلى تعليل هذا الخطيب وهو يعلم بقرب عليّ من رسول الله ورجحانه في العلم والقضاء والفتوى على غيره لكنه يرجح الرواية عن غيره .
ان الحكومات وعن طريق وزارات الأوقاف التابعة لها تبني المساجد وتنصب أئمّة عليها حسب ضوابط الوزارة ، فمن الطبيعيّ انّ لا يرتضى من يخالفهم بالمعايير التي رسمها الحاكم ، وخصوصاً الشيعيّ فانه لا يرتضي ذلك ، لانّه يشترط في إمام الجماعة العدالة ، وان المعيّن من قبل السلطان الجائر ليس بعادل عنده ، فلا يمكنه الصلاة خلفه في الظروف العادية ، ولا يخفى عليك بأنّ الراضي بالله العباسي هدم مسجد براثا على الشيعة بحجّة لعن الصحابه .
وهذا الامر وغيره دعا الشيعة إلى أن ينظّموا مجالسهم بعيداً عن المساجد الحكوميّة ، متخذين إماماً وخطيباً يرتضونه بعيداً عن الحاكم ، ومن هنا انتشرت الحسينيات عند الشيعة ، وإنّ الشيعة تمركزوا فيها تبعاً لأمر أئمّة أهل البيت في إقامة مجالس العزاء في دُورهم ، إذ أنّ الحكومات كانت لا تسمح لهم باقامة مآتم العزاء على السبط الشهيد في المساجد ، فكان من الضروريّ ان تجتمع الشيعة فيما بينهم لمدارسة قضاياهم ، ومن هنا جاءت الحسينيات .
وباعتقادي انّ كثرة الحسينيات على المساجد في البلدان الشيعية يعود إلى هذا السبب ، إذ ان السيدة فاطمة الزهراء قد رسمت أصول هذا المنهج عند الشيعة ، حينما ذهبت إلى خارج المدينة (بيت الأحزان) أ يّام أبي بكر ، لتبكي على والدها(صلى الله عليه وآله) وما اصابها من ظلم من قبل الخليفة !! ثمّ انتهجه أئمّة أهل البيت في الأزمان التي تلتها ، وقد يمكننا ارجاع اهتمام الشيعة بالحسينيات إلى اختلاف احكام الحسينيات عن المساجد ، فلا يجوز أن يدخل المسجد جنب ، أو حائض بخلاف الحسينية فإنه يجوز ذلك ، مع علم جميع الشيعة بأنّ الصلاة في المسجد أفضل من الصلاة في الحسينية ، لكنّ الضرورة ـ الدينية والسياسة ـ كانت تدعوهم للصلاة في الحسينية في بعض الأحيان .
وبهذا فقد فنّدنا بهذه التعليقة البسيطة شبهة يثيرها الخصم ضدّنا إذ يقولون بأنّ الشيعة لا يهتمّون بالمساجد ، فالأمر لم يكن كذلك ، فللشيعة مساجد كثيرة مضافاً إلى الحسينيات ، وقد تركوا الصلاة في المساجد اعتراضاً على الحكّام الظلمة كشاه ايران أيّام زمانه وعدم قبولهم بشرعية الإمام المنصوب من قبل السلطة في المساجد ، لا لنفس المساجد ، ويا حبّذا أن يفتح الكتّاب والعلماء هذا الأمر أكثر مما قلته ، وأن تكتب في هذا الموضوع رسائل ، لأنّها التفاتة مهمّة لم يسبقني إليها أحد .