الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٧٨ - خيار الغبن وتلقي الركبان
بيع الحاضر للبادي فانه لا يمكن استدراكه بالخيار إذ ليس الضرر
عليه انما هو على المسلمين ، إذا تقرر هذا فللبائع الخيار إذا علم أنه قد
غبن ، وقال أصحاب الرأي لا خيار له وقد روينا قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم في هذا ولا قول لاحد مع قوله ، وظاهر المذهب انه لاخيار له الا مع
الغبن لانه انما يثبت لاجل الخديعة ودفع الضرر عن البائع ولا ضرر مع عدم
الغبن وهذا ظاهر مذهب الشافعي ويحمل اطلاق الحديث في اثبات الخيار على هذا
لعلمنا بمعناه ومراده ولان النبي صلى الله عليه وسلم جعل له الخيار إذا أتى
السوق فيفهم منه انه أشار إلى معرفته بالغبن في السوق ولولا ذلك لكان
الخيار له من حين البيع ، وظاهر كلام الخرقي ان الخيار يثبت له مجرد الغبن
وان قل والاولى أن يتقيد بما يخرج عن العادة لان ما دون ذلك لا ينضبط ،
وقال أصحاب مالك انما نهي عن تلقي الركبان لما يفوت به من الرفق باهل السوق
لئلا ينقطع عنهم ماله جلسوا من ابتغاء فضل الله ، قال ابن القاسم فان
تلقاها متلق فاشتراها عرضت على أهل السوق فيشتركون فيها ، وقال الليث بن
سعد يباع في السوق وهذا مخالف لمدلول الحديث فان النبي صلى الله عليه وسلم
جعل الخيار للبائع إذا هبط السوق ولم يجعلوا له خيار أو جعل النبي صلى الله
عليه وسلم الخيار له يدل على أن النهي عن التلقي لحقه لا لحق غيره ، ولان
الجالس في السوق كالمتلقي في أن كل واحد منهما مبتغ لفضل الله ولا يليق
بالحكمة فسخ عقد أحدهما والحاق الضرر به دفعا للضرر عن مثله ، وليس رعاية
حق الجالس أولى من رعاية حق المتلقي ، ولا يمكن اشتراك أهل السوق كلهم في
سلعته فلا يعرج على مثل هذا
( فصل ) فان تلقاهم فباعهم شيئا فهو كمن اشترى منهم ولهم الخيار إذا غبنهم
غبنا يخرج عن العادةوهذا احد الوجهين للشافعية وقالوا في الآخر النهي عن
الشراء دون البيع فلا يدخل البيع فيه وهذا مقتضى قول أصحاب مالك لانهم
عللوه بما ذكرنا عنهم ولا يتحقق ذلك في البيع لهم .
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " ولا تلقوا الركبان " والبائع
داخل فيه ولان النهي عنه لما فيه من خديعتهم وغبنهم ، وهذا في البيع كهو في
الشراء ، والحديث قد جاء ملطقا ، ولو كان مختصا بالشراء لالحق به ما في
معناه وهذا في معناه
( فصل ) فان خرج لغير قصد التلقي فلقي ركبا فقال
القاضي : ليس له الابتياع منهم ولا الشراء وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي
، ويحتمل أن لا يحرم عليه ذلك وهو قول الليث بن سعد والوجه الثاني لاصحاب
الشافعي لانه لم يقصد التلقي فلم يتناوله النهي ولانه نادر فلا يكثر ضرره
كمن يقصد ذلك ووجه الاول انه انما نهي عن التلقي دفعا للخديعة والغبن عنهم
وذلك متحقق سواء قصد التلقي أو لم يقصده فأشبه ما لو قصد
مسألة
( الثانية النجش وهو أن يزيد في السلعة من يريد شراها ليغر المشتري فله الخيار إذا غبن )